مدارج السالكين

وليس المقصود بحث هذه المسألة، فإنّها بعيدةٌ عمّا نحن فيه، وهي من وظائف أرباب الجدل والكلام والفلسفة، لا من وظائف أرباب القلوب والمعاملات، فهؤلاء هِمَمُهم أن يجدوا مطلوبهم ويَظْفَروا به، وأولئك شاكُّون في وجوده: هل هو عين ماهيّته أو زائدٌ على ماهيّته؟ وهل هو وجود مجرَّد مطلقٌ لا يُضاف إليه وصفٌ ولا اسمٌ؟ أم وجودٌ خاصٌّ تُضاف إليه الصِّفات والأسماء؟ فهؤلاء في وادٍ وهؤلاء في وادٍ.

وأعظم الخلق كفرًا وضلالًا: من زعم أنَّه١ نفسُ وجودِ هذه الموجودات، وأن عين وجوده فاض عليها فاكتست من وجوده، فاتّخذ حجابًا من أعيانها، واكتست جلبابًا من وجوده. ولُبِّس عليهم ما لُبِّس على ضعفاء العقول والبصائر من عدم التفريق بين وجود الحقِّ سبحانه وإيجاده، وأنّ إيجاده هو الذي فاض عليها، وهو الذي اكتسته٢، وأمّا وجوده فمختصٌّ به لا يشاركه فيه غيره، كما هو مختصٌّ بماهيّته وصفاته، فهو بائنٌ عن خلقه، والخلق بائنون عنه، فوجودُ ما سواه مخلوقٌ كائنٌ بعد أن لم يكن، حاصلٌ بإيجاده له، فهو الذي أعطى كلّ شيءٍ خَلْقه ووجودَه المختصَّ به، وبان بذاته وصفاته ووجوده عن خلقه.

فصل

قوله: (الوجود: اسمٌ للظّفر بحقيقة الشيء)، هذا الوجود الذي هو مصدر وجد الشيء يجده وجودًا، ووجد ضالّته وجدانًا. وفي «الصِّحاح»٣:

  1. (١) أي: أنّ وجود الله ...
  2. (٢) ت: «اكتسبته».
  3. (٣) مادة (وجد).
393

أوجدَه الله مطلوبَه أي أظفَرَه به، وأوجَدَه أي أغناه. قلتُ: أي جعله ذا جِدَةٍ، قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]. ويقال: وجدَ فلانٌ وُجْدًا ووَجْدًا ووِجْدًا ــ بضمِّ الواو وفتحها وكسرها ــ إذا صار ذا جِدَةٍ وثروةٍ، ووُجِد الشّيء فهو موجودٌ وأوجده الله. ويقال: وجدَ الله الشّيءَ كذا وكذا، على غير معنًى أوجده، كما قال تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢]. فالله سبحانه أوجدَه على علمه بأنه يكون على صفةٍ، ثمّ وجده بعد إيجاده على تلك الصِّفة التي علم أنه يكون عليها.

وأمّا الواجد في أسمائه سبحانه فهو بمعنى ذو الوجد والغنى، وهو ضدُّ الفاقد، وهو كالمُوسِع ذي السّعة، قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]، أي ذو سعةٍ وقدرةٍ وملكٍ، كما قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. ودخل في أسمائه سبحانه الواجد دون الموجد، فإنّ الموجد صفة فعلٍ، وهو مُعطِي الوجود، كالمحيي معطي الحياة، وهذا الفعل لم يجئ إطلاقه في أفعال الله في الكتاب ولا في السُّنّة، فلا يُعرف إطلاقُ: أوجد الله كذا وكذا، وإنّما الذي جاء: خلَقه وبَرَأَه وصَوَّره وأعطاه خَلْقه ونحو ذلك، فلمّا لم يُستعمل فعله لم يجئ اسم الفاعل منه في أسمائه الحسنى، فإنّ الفعل أوسعُ من الاسم. ولهذا أطلق على نفسه أفعالًا لم يَتَسمَّ منها بأسماء الفاعل، كأراد وشاء وأحدثَ ولم يُسَمِّ نفسَه بالمريد والشّائي والمُحدِث، كما لم يُسمِّ نفسَه بالصّانع والفاعل والمُتْقِن وغير ذلك من الأسماء التي أطلقَ أفعالها على نفسه، فباب الأفعال أوسعُ من باب الأسماء.

394

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي