وقد أخطأ أقبحَ خطأٍ من اشتَقَّ له من كلِّ فعلٍ اسمًا، وبلغ بأسمائه زيادةً على الألف، فسمّاه الماكر والمُخادع والفاتن والكائد ونحو ذلك. وكذلك باب الإخبار عنه بالاسم أوسعُ من تسميته به، فإنّه يُخبَر عنه بأنّه شيءٌ وموجودٌ ومذكورٌ ومعلومٌ ومرادٌ ولا يُسمّى بذلك.
فأمَّا الواجد فلم تجئ تسميته به إلّا في حديث تعداد الأسماء الحسنى١، والصحيح: أنّه ليس من كلام النبيِّ ﷺ، ومعناه صحيحٌ، فإنه ذو الوجد والغنى، فهو أولى بأن يُسمَّى به من الموجود ومن المُوجِد. أمّا الموجود٢ فإنّه منقسمٌ إلى كاملٍ وناقصٍ، وخيرٍ وشرٍّ، وما كان مسمّاه منقسمًا لم يدخل اسمه في الأسماء الحسنى، كالشيء والمعلوم، ولذلك لم يُسَمَّ بالمريد ولا بالمتكلِّم، وإن كان له الإرادة والكلام، لانقسام مسمّى المريد والمتكلِّم. وأمّا المُوجِد فقد سمّى نفسه بأكمل أنواعه، وهو الخالق البارئ المصوِّر، فالمُوجِد كالمُحدِث والفاعل والصّانع.
وهذا من دقيق فقه الأسماء الحسنى، فتأمَّلْه، وبالله التّوفيق.
فصل
الظَّفَر بحقيقة الشّيء، إن كان في باب العلم والمعرفة فهو معرفةٌ تجري فوق حدود العلم، وإن كان للمعاين كان معاينةً، وهو فوق المعرفة، وإن كان للطّالب فهو جمعيَّتُه له بكلِّه على مطلوبه، وإن كان لصاحب الجَمْع كان
(١) هو ما أخرجه الترمذي (٣٥٠٧) من حديث أبي هريرة ﵁. قال الترمذي عقب روايته: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، ولا نعلم في كبير شيء من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث.
(٢) ش، ت: «الوجود».
جمعيّةً وجوديّةً تُفْنِيه عمّا سوى الحق.
قوله: (هو اسمٌ لثلاث معانٍ، أوّلها: وجود علمٍ لَدُنِّيٍّ، يقطع علوم الشواهد)، العلم اللَّدُنِّيُّ عندهم هو المعرفة، وسُمِّي لدنِّيًّا لأنّه تعريفٌ من تعريفات الحقِّ، واردٌ على قلب العبد، يقطع الوساوس، ويُزِيل الشُّكوك، ويحلُّ محلَّ العيان، فيصير لصاحبه كالوجدانيّات التي لا يمكن دفعها عن النّفس، ولذلك قال: (يقطع علوم الشواهد)، فعلوم الشواهد عنده من علوم الاستدلال، وهي تنقطع بوجدان هذا العلم، أي يرتقي صاحبه عنها إلى ما هو أكمل منها، لا أنّها يَبطُل حكمُها، ويزول رسمها، ولكن صاحب الوجود قد ارتقى عن العلم الحاصل بالشواهد إلى العلم المُدْرَك بالذَّوق والحسِّ الباطن.
قوله: «في صحّة مكاشفة الحقِّ إيّاك» متعلِّقٌ بقوله: «يقطع علوم الشواهد»، أي يقطعها في كون الحقِّ كشف لك كشفًا صحيحًا، قطع عنك الحاجة إلى الشواهد والأدلّة.
قوله: «والثاني: وجود الحقِّ وجود عينٍ»، أي وجود معاينةٍ لا وجود خبرٍ، ومراده: معاينة القلب له بحقيقة اليقين.
قوله: «منقطعًا عن مَسَاغِ الإشارة»، لمّا كانت الدرجة الأولى وجود علمٍ، وهذه وجود عيانٍ= قام العيان فيها مقام الإشارة، فأغنى عنها، فإنّ العلم قد يكون ضروريًّا، وقد يكون نظريًّا. والضّروريُّ أبعدُ عن الالتفات، وتطرُّقِ الآفات، وعدمِ الغفلات، فصاحبه يشاهد معلومه بنور البصيرة، كما يشاهد المُبْصَرات بنور البصر. ولمَّا كانت مرتبة المعرفة فوق مرتبة العلم عندهم، ومرتبة الشّهود فوق مرتبة المعرفة، ومرتبة الوجود فوق مرتبة