مدارج السالكين

فصل

قال١: (باب التجريد. قال الله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢]. التجريد: انخلاعٌ عن شهود الشّواهد، وهو على ثلاث درجاتٍ، الدرجة الأولى: تجريد عين الكشف عن كسب اليقين، والدرجة الثانية: تجريد عين الجمع عن درك العلم، والدرجة الثالثة: تجريد الخلاص من شهود التجريد).

وجه الإشارة بالآية ــ وليس هو تفسيرها ولا المراد بها ــ أنه سبحانه أمره أن يخلع نعليه عند دخوله ذلك الوادي المقدَّس، إمَّا لينال أخمصُ قدميه بركةَ الوادي، وإمّا لأنّهما كانتا ممَّا لا يصلُح أن يباشر ذلك المكان بهما، كما قيل: كانتا من جلد حمارٍ غير ذكيٍّ٢، وعلى كلِّ حالٍ فهو أمرٌ بالتجرُّد من النعلين في ذلك المكان وتلك الحال.

وموضع الإشارة: أنّه أُمر بالتجرُّد من نعليه عند دخول الوادي، فعلم أنّ التجرُّد شرطٌ للدخول فيما لا يصلح الدُّخول فيه إلّا بالتجرُّد.

وعلى هذا، فيقال لمن أراد الوصول إلى الله سبحانه والدُّخول عليه: اخلَعْ من قلبك ما سواه، وادخُلْ عليه، وأوّلُ قدمٍ تدخل بها في الإسلام: أن تخلع الأنداد والأوثان التي تُعبد من دون الله، وتتجرَّد منها، فكأنّه قيل له: اطرَحْ عنك ما لا يكون صالحًا للوطء به على هذا البساط. أو لأنَّ ذلك الوادي لمَّا كان من أشرف الأودية وأطهرها، ولذلك اختاره سبحانه على غيره من الأودية لتكليم نبيِّه وكليمه، فأمره سبحانه أن يُعظِّم ذلك الوادي بالوطء فيه حافيًا، كما يُوطَأ

  1. (١) «المنازل» (ص ١٠٨).
  2. (٢) روي ذلك عن علي والحسن البصري وغيرهما. انظر: «الدر المنثور» (١٠/ ١٧١).
398

بِساطُ الملك، وصار ذلك سنّةً في بني إسرائيل في مواضع صلواتهم وكنائسهم. وشريعتُنا جاءت بخلاف ذلك، فصلّى النبيُّ ﷺ في نعلَيه، وأمر الصحابة أن يصلُّوا في نعالهم، وقال: «إنّ اليهود والنّصارى لا يُصلُّون في نعالهم فخَالِفوهم»١. فالسنّة في ديننا الصلاةُ في النِّعال، نصَّ عليه الإمام أحمد ﵀، وقيل له: أيصلِّي الرّجلُ في نعليه؟ فقال: إي والله٢.

فصل

قوله: (التّجريد: الانخلاع عن شهود الشّواهد)، الشّواهد عنده: هي ما سوى الحقِّ. والانخلاع عن شهودها هو غَيْبة الشّاهد بمشهوده عن شهوده، وذلك يكون في مقام المعاينة، فإنّه لا ينخلع عن شهود الشّواهد إلّا إذا كان معاينًا للمشهود.

قوله: (الدّرجة الأولى: تجريد عين الكشف عن كسب اليقين)، أي تجريد حقيقة الكشف عن كسب اليقين، أي يعزل ما اكتسبه من اليقين العلميِّ بالكشف الحقيقيِّ، فيُجرِّد الكشفَ أي يُخلِّصه ويُعرِّيه عن الالتفات إلى اليقين، فيَعزِل ما اكتسبه من اليقين العلميِّ بالكشف الحقيقيِّ.

فصل

قال: (الدرجة الثانية: تجريد عين الجمع عن درك العلم).

عين الجمع هو حقيقة الجمع، وتجريده هو أن لا يشهد للعلم فيها أثرًا،

  1. (١) أخرجه أبو داود (٦٥٢) وابن حبان (٢١٨٦) والحاكم (١/ ٢٦٠) من حديث شداد بن أوس ﵁. وهو حديث صحيح. وليس في عامَّة طرقه ذكر النصارى.
  2. (٢) ذكر المؤلف هذه الرواية في «إغاثة اللهفان» (١/ ٢٦٢).
399

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي