مدارج السالكين

بِساطُ الملك، وصار ذلك سنّةً في بني إسرائيل في مواضع صلواتهم وكنائسهم. وشريعتُنا جاءت بخلاف ذلك، فصلّى النبيُّ ﷺ في نعلَيه، وأمر الصحابة أن يصلُّوا في نعالهم، وقال: «إنّ اليهود والنّصارى لا يُصلُّون في نعالهم فخَالِفوهم»١. فالسنّة في ديننا الصلاةُ في النِّعال، نصَّ عليه الإمام أحمد ﵀، وقيل له: أيصلِّي الرّجلُ في نعليه؟ فقال: إي والله٢.

فصل

قوله: (التّجريد: الانخلاع عن شهود الشّواهد)، الشّواهد عنده: هي ما سوى الحقِّ. والانخلاع عن شهودها هو غَيْبة الشّاهد بمشهوده عن شهوده، وذلك يكون في مقام المعاينة، فإنّه لا ينخلع عن شهود الشّواهد إلّا إذا كان معاينًا للمشهود.

قوله: (الدّرجة الأولى: تجريد عين الكشف عن كسب اليقين)، أي تجريد حقيقة الكشف عن كسب اليقين، أي يعزل ما اكتسبه من اليقين العلميِّ بالكشف الحقيقيِّ، فيُجرِّد الكشفَ أي يُخلِّصه ويُعرِّيه عن الالتفات إلى اليقين، فيَعزِل ما اكتسبه من اليقين العلميِّ بالكشف الحقيقيِّ.

فصل

قال: (الدرجة الثانية: تجريد عين الجمع عن درك العلم).

عين الجمع هو حقيقة الجمع، وتجريده هو أن لا يشهد للعلم فيها أثرًا،

  1. (١) أخرجه أبو داود (٦٥٢) وابن حبان (٢١٨٦) والحاكم (١/ ٢٦٠) من حديث شداد بن أوس ﵁. وهو حديث صحيح. وليس في عامَّة طرقه ذكر النصارى.
  2. (٢) ذكر المؤلف هذه الرواية في «إغاثة اللهفان» (١/ ٢٦٢).
399

فإنّ العلم من آثار الرُّسوم، وحقيقة الجمع تمحو الرُّسوم، فصاحب هذه الدّرجة أبدًا في تجرُّدٍ وتجريدٍ. والدّرك هو الإدراك في هذا الموضع، ويحتمل أن يراد به أنّ درجة العلم أسفلُ من درجة عين الجمع، فيجرّد الجمع عن الدرجة التي هي أسفلُ منه، وقد اعترفوا بأنّ هذا حال المولَّهين في الاستغراق في الجمع.

ولعمر الله إنّ ذلك ليس بكمالٍ، وهو أصلٌ من أصول الانحلال، فإنّه إذا تجرّد من العلم وما يوجبه فقد خرج عن النُّور الذي يَكشِف له الحقائق، ويُميِّز له بين الحقِّ والباطل والصحيح والفاسد، فالكشف وشهود الحقيقة إذا تجرّد عن العلم فقد ينسلخ صاحبه عن أصل الإيمان وهو لا يشعر.

وأحسنُ من هذا أن يقال: هو تجريد الجمع عن الوقوف مع مجرّد العلم، فلا يرضى بالعلم عن مقام جمعيّة حاله وقلبه وهمِّه على الله تعالى، بل يرتقي من درجة العلم إلى درجة الجمع مصاحبًا للعلم، غيرَ مفارقٍ لأحكامه، ولا جاعلٍ له غايةً يقف عندها.

قوله: (الدرجة الثالثة: تجريد الخلاص من شهود التجريد).

يعني: أن لا يشهد تجريده، لأنّ تجريدَه من صفاته وأفعاله، وصاحب هذه الدّرجة دائمًا قد فني عمّا سوى الحقِّ، فكيف يتّسع مع ذلك لشهود وصفه وفعله؟ بل أفناه تجريده عن شهود تجريده.

400

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي