مدارج السالكين

وقال أبو العالية أيضًا في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾: هم آل رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ وعمر ﵄١. وهذا حقٌّ، فإنّ آله وأبا بكرٍ وعمر على طريقٍ واحدةٍ، ولا خلاف بينهم. وموالاةُ بعضهم بعضًا، وثناؤه عليه٢، ومحاربةُ من حاربه، ومسالمةُ من سالمه= معلومةٌ عند الأمّة خاصِّها وعامِّها.

وقال زيد بن أسلم: الذين أنعم عليهم هم رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ وعمر ﵄٣. ولا ريب أنّ المنعَم عليهم هم أتباعه، والمغضوب عليهم هم الخارجون عن اتِّباعه. وأتبَعُ الأمّة له وأطوَعُهم أصحابه وأهل بيته، وأتبَعُ الصّحابةِ له السَّمع والبصَر: أبو بكرٍ وعمر. وأشدُّ الأمّة مخالفةً له هم الرّافضة، فخلافُهم له معلومٌ عند جميع فِرَق الأمّة. ولهذا يُبغضون السُّنّة وأهلها، ويعادونها ويعادون أهلها. فهم أعداءُ سنّتِه وأهلِ بيته وأصحابه بالذات. فميراثُهم من أمَّتَي الغضب والضلال أتمُّ ميراث. وميراثُ أصحابه وأهل بيته٤ وأتباعهم من نبيِّهم أكملُ ميراث، بل هم ورثته حقًّا.

فقد تبيَّن أنّ الصِّراط المستقيم طريق أصحابه وأتباعه، وطريقُ أهل الغضب والضّلال طريقُ الرّافضة.

وبهذه الطّريق بعينها يُرَدُّ على الخوارج، فإنَّ معاداتَهم للصَّحابة معروفةٌ.

  1. (١) هو الأثر السابق نفسه.
  2. (٢) ش: "عليهم"، وكذا غيِّر في م، وهو خطأ.
  3. (٣) لم أقف عليه.
  4. (٤) العبارة "وأصحابه بالذات ... وأهل بيته" ساقطة من ع لانتقال النظر.
114

فصل

وسرُّ الخلق والكتُب والأمر والنهي والشّرائع١ والثّواب والعقاب انتهى إلى هاتين الكلمتين. وعليهما مدار العبوديّة والتّوحيد، حتّى قيل: أنزل الله مائة كتابٍ وأربعة كتبٍ، جمع معانيها في التّوراة والإنجيل والقرآن٢، وجمع معانيَ هذه الكتب الثّلاثة في القرآن، وجمع معانيَ القرآن في المفصَّل، ومعانيَ المفصّل في الفاتحة، ومعانيَ الفاتحة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾٣.

وهما الكلمتان المقسومتان بين الرَّبِّ وبين عبده نصفين، فنصفها٤ له تعالى وهو ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ونصفها لعبده وهو ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وسيأتي سرُّ هذا ومعناه إن شاء الله في موضعه.

والعبادة تجمع أصلين: غايةَ الحبِّ بغاية الذُّلِّ والخضوع. والعرب

  1. (١) ع: "وسرُّ الخلق والأمر والكتب والشرائع".
  2. (٢) هنا وضعت إشارة في م، وكتب في الهامش "ظ"، يعني: انظر. وذلك لأن الكتاب الرابع وهو الزبور سقط ذكره هنا.
  3. (٣) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢١٥٥) عن الحسن البصري. وفيه ذكر الزبور أيضًا. وآخره: ثم أودع علوم المفصل فاتحة الكتاب، فمن علم تفسيرها كان كمن علِم تفسير جميع كتب الله المنزلة. وانظر: "الكشف والبيان" للثعلبي (١/ ٩١). فلم يذكر أنه جمع معاني الفاتحة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، غير أن شيخ الإسلام نقله في "بيان تلبيس الجهمية" (٤/ ٥٣٢) و"جامع المسائل" (٤/ ٢٨٦) و"منهاج السنة" (٥/ ٣٩٤) وغيرها بهذه الخاتمة.
  4. (٤) يعني: نصف الآية.
115

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي