مدارج السالكين

غير سنّة رسوله ﷺ، فشأن القوم كان أجلَّ من ذلك، ولكن على تخليص الأعمال من شوائب النُّفوس ومشاركاتِ الحظوظ، فكانوا يخافون ــ لكمال علمهم بالله وحقوقه عليهم ــ أنّ أعمالهم لم تخلص من شوائب حظوظهم ومشاركات نفوسهم، بحيث تكون متمحِّضةً لله وبالله، ومأخوذةً عن الله، فمن وصلَ له عملٌ واحدٌ على هذا الوجه وصل إلى الله، والله تعالى شكورٌ، إذا رضي من العبد عملًا من أعماله نجَّاه، وأسعده به، وثمَّره له، وبارك له فيه، وأوصله به إليه، وأدخله به عليه، ولم يقطعه به عنه.

فما أكثرَ المنقطعين بالإشارة عن المشار إليه، وبالعبادة عن المعبود، وبالمعرفة عن المعروف! فتكون الإشارات والمعارف قبلةَ قلبه، وغايةَ قصده، فيتغذّى بها، ويجد من الأنس بها والذّوق والوجد ما يسكن قلبه إليه، ويطمئنُّ به، ويظنُّ أنّه الغاية المطلوبة، فيصير قلبه محبوسًا عن ربِّه وهو لا يشعر، وتصير نفسه راتعةً في رياض العلوم والمعارف واجدةً لها، وهو يظنُّ أنّه قد وصل واتَّصل، وعلى منزلة الوجود حصل، فهو دقيق الإشارة، لطيف العبارة، فقيهٌ في مسائل السُّلوك، وبينه وبين الله حجابٌ لم ينكشف عنه. وإنّما يرتفع هذا الحجاب بحال التجريد والتفريد، لا بمجرَّد علم ذلك؛ فبتفريدِ المعبود المطلوب المقصود عن غيره، وبتجريدِ القصد والطّلب، والإرادة والمحبّة، والخوف والرّجاء، والإنابة والتّوكُّل، واللّجأ له عن الحظوظ وإرادات النفس= ينكشف عن القلب حجابُه، ويزول عنه ظلامه، ويطلع فيه فجر التوحيد، وتَبزُغ فيه شمسُ اليقين، وتستبين له الطريقُ الغرَّاء، والمحجَّةُ البيضاء التي ليلها كنهارها.

403

فصل

قال١: (فأمّا تفريد الإشارة إلى الحقِّ فعلى ثلاث درجاتٍ: تفريد القصد عطشًا، ثمّ تفريد المحبّة تلفًا، ثمّ تفريد الشُّهود اتِّصالًا).

وذكر في هذه الدرجة ثلاثة أمورٍ: تفريد القصد والمحبّة والشُّهود، فالقصد بدايةٌ، والشُّهود نهايةٌ، والمحبّة واسطةٌ، فيُفرد قصدَه وحبَّه وشهودَه، وذلك يتضمّن إفراد مطلوبه ومحبوبه ومشهوده، فيكون فردًا لفردٍ، فلا ينقسم طلبه ولا حبُّه ولا شهوده، ولا ينقسم مطلوبه ومحبوبه ومشهوده، فتفريد الطّلب والمحبّة والشُّهود صدقٌ، وتفريد المطلوب والمحبوب والمشهود إخلاصٌ.

فالصِّدق والإخلاص: هو أن تبذل كلَّك لمحبوبك وحده، ثمّ تحتقر ما بذلتَ في جنْبِ ما يستحقُّه، ثمّ لا تنظر إلى بَذْلِك.

وقيَّد تفريد القصد بالعطش، وتفريد المحبَّة بالتَّلَف، وتفريد الشُّهود بالاتِّصال. والعطش ــ كما قال ــ: هو غلبة ولوعٍ بمأمولٍ، والتَّلَف: هو المحبّة المهلكة، والاتِّصال: سقوط الأغيار عن درجة الاعتبار. فهذا حكم التفريد في الدرجة الأولى.

قال٢: (وأمّا تفريد الإشارة بالحقِّ فعلى ثلاث درجاتٍ: تفريد الإشارة بالافتخار بَوْحًا، وتفريد الإشارة بالسُّلوك مطالعةً، وتفريد الإشارة بالقبض غيرةً).

  1. (١) «المنازل» (ص ١٠٨).
  2. (٢) المصدر نفسه.
404

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي