مدارج السالكين

ــ وأشار إلى صدره ــ: إنّ هاهنا علمًا جَمًّا، لو أصبتُ له حملةً١. وقال عبد الله بن مسعودٍ: أخذتُ من فِي رسول الله ﷺ سبعين سورةً، وإنّ زيدًا ليلعب مع الغلمان٢. وقال أيضًا: ما من كتاب الله آيةٌ إلّا وأنا أعلم أين نزلت؟ وماذا أريد بها؟ ولو أعلم أنّ أحدًا أعلم بكتاب الله منِّي تبلغه الإبل لرحلت إليه٣. وقال بعض الصّحابة: لأَنْ تختلف فيَّ الأسنَّةُ أحبُّ إليَّ من أن أحدِّث نفسي في الصلاة بغير ما أنا فيه٤. وهذا أكثر من أن يُذكر.

والصادق تختلف عليه الأحوال، فتارةً يبوح بما أولاه ربُّه، ومنَّ عليه به، لا يطيق كتمان ذلك، وتارةً يُخفِيه ويكتمه، لا يطيق إظهاره، وتارةً يقبض، وتارةً يبسط وينشط، وتارةً يجد لسانًا قائلًا لا يسكت، وتارةً لا يقدر أن ينطق بكلمةٍ، وتارةً تجده ضاحكًا مسرورًا، وتارةً باكيًا حزينًا، وتارةً يجد جمعيّةً لا سبيلَ للتّفرقة عليها، وتارةً تفرقةً لا جمعيَّةَ معها، وتارةً يقول: واطرباه! وأخرى يقول: واحُزناه! بخلاف من هو على لونٍ واحدٍ لا يوجد على غيره، فهذا لونٌ والصّادق لونٌ.

  1. (١) رواه أبو نعيم في «الحلية» (١/ ٧٩)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ١٨٢) وغيرهما، وإسناده ضعيف، وروي من طرق أخرى ضعيفة. قال ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٢/ ٩٨٤): هو حديث مشهور عند أهل العلم، يستغني عن الإسناد لشهرته عندهم.
  2. (٢) روى البخاري (٥٠٠٠) الجزء الأول منه. وهو بتمامه عند النسائي (٥٠٦٤).
  3. (٣) رواه مسلم (٢٤٦٣).
  4. (٤) رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٦/ ٢٣) عن عامر بن قيس ﵀. وأورده الغزالي في «الإحياء» (١/ ٢٨٢).
406

وقوله: (وتفريد الإشارة بالسُّلوك مطالعةً)، أي تجريد الإشارة إلى المطلوب بالسُّلوك اطِّلاعًا على حقائقه.

وقوله: (وتفريد الإشارة بالقبض غيرةً)، أي تخليص الإشارة إلى المطلوب بالقبض غيرةً عليه.

والمقصود: أنّه تارةً يُفرِد إشارتِه بما أولاه الحقُّ، لا يكتمه ولا يخفيه، وتارةً يُفرد إشارته بحقائق السُّلوك اطِّلاعًا عليها، وإطْلاعًا لغيره، وتارةً يشير بالقبض غيرةً وسترًا، فيشير بالافتخار تارةً، وبالاطِّلاع تارةً، وبالقبض تارةً. فافتخارُه بالمنعم ونعمته، لا بنفسه وصفته، وإطْلاعُه لغيره تعليمٌ وإرشادٌ وتبصيرٌ، وقبضُه غيرةٌ وسترٌ. وحقيقة الأمر ما ذكرناه: أنّ الصّادق بحسب دواعي صدقه وحاله مع الله، وحكم وقته وما أقيم فيه.

فصل

قوله١: (وأمّا تفريد الإشارة عن الحقِّ فانبساطٌ ببسطٍ ظاهرٍ، يتضمّن قبضًا خالصًا، للهداية إلى الحقِّ والدّعوة إليه).

يريد أنّ صاحب هذه الإشارة منبسطٌ بسطًا ظاهرًا، مع أنّ باطنه مجموعٌ على الله، وهو القبض الخالص الذي أشار إليه، فهو في باطنه مقبوضٌ لِما هو فيه من جمعيَّته على الله، وفي ظاهره مبسوطٌ مع الخلق بسطًا ظاهرًا لقوّته، قصدًا لهدايتهم إلى الحقِّ، ودعوتهم إليه.

وحاصل الأمر: أنّه مبسوطٌ بظاهره لدعوة الخلق إلى الله، ومقبوضٌ

  1. (١) «المنازل» (ص ١٠٩).
407

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي