مدارج السالكين

وقوله: (وتفريد الإشارة بالسُّلوك مطالعةً)، أي تجريد الإشارة إلى المطلوب بالسُّلوك اطِّلاعًا على حقائقه.

وقوله: (وتفريد الإشارة بالقبض غيرةً)، أي تخليص الإشارة إلى المطلوب بالقبض غيرةً عليه.

والمقصود: أنّه تارةً يُفرِد إشارتِه بما أولاه الحقُّ، لا يكتمه ولا يخفيه، وتارةً يُفرد إشارته بحقائق السُّلوك اطِّلاعًا عليها، وإطْلاعًا لغيره، وتارةً يشير بالقبض غيرةً وسترًا، فيشير بالافتخار تارةً، وبالاطِّلاع تارةً، وبالقبض تارةً. فافتخارُه بالمنعم ونعمته، لا بنفسه وصفته، وإطْلاعُه لغيره تعليمٌ وإرشادٌ وتبصيرٌ، وقبضُه غيرةٌ وسترٌ. وحقيقة الأمر ما ذكرناه: أنّ الصّادق بحسب دواعي صدقه وحاله مع الله، وحكم وقته وما أقيم فيه.

فصل

قوله١: (وأمّا تفريد الإشارة عن الحقِّ فانبساطٌ ببسطٍ ظاهرٍ، يتضمّن قبضًا خالصًا، للهداية إلى الحقِّ والدّعوة إليه).

يريد أنّ صاحب هذه الإشارة منبسطٌ بسطًا ظاهرًا، مع أنّ باطنه مجموعٌ على الله، وهو القبض الخالص الذي أشار إليه، فهو في باطنه مقبوضٌ لِما هو فيه من جمعيَّته على الله، وفي ظاهره مبسوطٌ مع الخلق بسطًا ظاهرًا لقوّته، قصدًا لهدايتهم إلى الحقِّ، ودعوتهم إليه.

وحاصل الأمر: أنّه مبسوطٌ بظاهره لدعوة الخلق إلى الله، ومقبوضٌ

  1. (١) «المنازل» (ص ١٠٩).
407

بباطنه عمّا سوى الله، وظاهره منبسطٌ مع الخلق، وباطنه منقبضٌ عنهم لقوَّة تعلُّقه بالله واشتغاله به عنهم، فهو كائنٌ بائنٌ، داخلٌ خارجٌ، متّصلٌ منفصلٌ. قال تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٨٧ وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٧ - ٨٨]، فأمره بتجريد الدعوة إليه، وتجريد عبوديّته وحده، وهذان هما أصلا الدِّين وعليهما مداره، وبالله التوفيق.

408

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي