بباطنه عمّا سوى الله، وظاهره منبسطٌ مع الخلق، وباطنه منقبضٌ عنهم لقوَّة تعلُّقه بالله واشتغاله به عنهم، فهو كائنٌ بائنٌ، داخلٌ خارجٌ، متّصلٌ منفصلٌ. قال تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٨٧ وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾
[القصص: ٨٧ - ٨٨]، فأمره بتجريد الدعوة إليه، وتجريد عبوديّته وحده، وهذان هما أصلا الدِّين وعليهما مداره، وبالله التوفيق.
فصل
قال١: (باب الجمع: قال الله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾
[الأنفال: ١٧]).
قلت: اعتقد جماعةٌ أنّ المراد بالآية: سلبُ فعل الرّسول ﷺ عنه وإضافتُه إلى الرّبِّ تعالى، وجعلوا ذلك أصلًا في الجبر، وإبطال نسبة الأفعال إلى العباد، وتحقيق نسبتها إلى الرّبِّ تعالى وحده.
وهذا غلطٌ منهم في فهم القرآن، ولو صحّ ذلك لوجب طرده [في جميع الأعمال]٢، فيقال: ما صلّيتَ إذ صلّيتَ، ولا صمتَ إذ صمتَ، ولا ضحَّيتَ إذ ضحَّيتَ، ولا فعلتَ كلَّ فعلٍ إذ فعلتَه، ولكنّ الله فعل ذلك. فإن طردوا ذلك لزمهم في جميع أفعال العباد: طاعاتهم ومعاصيهم، إذ لا فرق. وإن خصُّوه بالرّسول ﷺ وحده وأفعاله جميعها أو رميه وحده تناقضوا. فهؤلاء لم يوفَّقوا٣ لفهم ما أريد بالآية.
وبعد، فهذه الآية نزلت في شأن رميه ﷺ المشركين يوم بدرٍ بقبضةٍ من الحصى٤، فلم تدَعْ وجهَ أحدٍ منهم إلّا أصابته٥. ومعلومٌ أنّ تلك الرّمية
- (١) «منازل السائرين» (ص ١٠٩).
- (٢) ما بين الحاصرتين من ر وحدها.
- (٣) ما عدا ت: «يقفوا»، تحريف.
- (٤) ت، ر: «الحصباء».
- (٥) انظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٦٦٨) و«تفسير الطبري» (١١/ ٨٣).