وسرُّ الخلق والكتُب والأمر والنهي والشّرائع١ والثّواب والعقاب انتهى إلى هاتين الكلمتين. وعليهما مدار العبوديّة والتّوحيد، حتّى قيل: أنزل الله مائة كتابٍ وأربعة كتبٍ، جمع معانيها في التّوراة والإنجيل والقرآن٢، وجمع معانيَ هذه الكتب الثّلاثة في القرآن، وجمع معانيَ القرآن في المفصَّل، ومعانيَ المفصّل في الفاتحة، ومعانيَ الفاتحة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾٣.
وهما الكلمتان المقسومتان بين الرَّبِّ وبين عبده نصفين، فنصفها٤ له تعالى وهو ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ونصفها لعبده وهو ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وسيأتي سرُّ هذا ومعناه إن شاء الله في موضعه.
والعبادة تجمع أصلين: غايةَ الحبِّ بغاية الذُّلِّ والخضوع. والعرب
(١) ع: "وسرُّ الخلق والأمر والكتب والشرائع".
(٢) هنا وضعت إشارة في م، وكتب في الهامش "ظ"، يعني: انظر. وذلك لأن الكتاب الرابع وهو الزبور سقط ذكره هنا.
(٣) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢١٥٥) عن الحسن البصري. وفيه ذكر الزبور أيضًا. وآخره: ثم أودع علوم المفصل فاتحة الكتاب، فمن علم تفسيرها كان كمن علِم تفسير جميع كتب الله المنزلة. وانظر: "الكشف والبيان" للثعلبي (١/ ٩١). فلم يذكر أنه جمع معاني الفاتحة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، غير أن شيخ الإسلام نقله في "بيان تلبيس الجهمية" (٤/ ٥٣٢) و"جامع المسائل" (٤/ ٢٨٦) و"منهاج السنة" (٥/ ٣٩٤) وغيرها بهذه الخاتمة.
(٤) يعني: نصف الآية.
تقول: طريقٌ معبَّدٌ أي مذلَّلٌ، والتّعبُّد: التّذلُّل والخضوع. فمن أحببتَه ولم تكن خاضعًا له لم تكن عابدًا له. ومن خضعتَ له بلا محبّةٍ لم تكن عابدًا له حتّى تكون محبًّا خاضعًا. ومن هاهنا كان المنكرون محبّةَ العباد لربِّهم منكرين حقيقة العبوديّة، والمنكرون١ لكونه محبوبًا لهم، بل هو غايةُ مطلوبهم، ووجهُه الأعلى نهايةُ بغيتهم= منكرين لكونه إلهًا. وإن أقرُّوا بكونه ربًّا للعالمين وخالقًا لهم، فهذا غاية توحيدهم٢، وهو توحيد الرُّبوبيّة الذي اعترف به مشركو العرب، ولم يخرجوا به من الشِّرك، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾[لقمان: ٢٥]٣، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾[الزخرف: ٨٧]، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٨٤ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾[المؤمنون: ٨٤ - ٨٥]. ولهذا يحتجُّ عليهم به على توحيد إلهيّته، وأنّه لا ينبغي أن يُعبد غيرُه، كما أنّه لا خالقَ غيرُه ولا ربَّ سواه.
والاستعانة تجمع أصلين: الثِّقة بالله، والاعتماد على الله؛ فإنّ العبد قد يثق بالواحد من النّاس ولا يعتمد عليه في أموره مع ثقته به، لاستغنائه عنه. وقد يعتمد عليه مع عدم ثقته به، لحاجته إليه ولعدم من يقوم مقامه، فيحتاج إلى اعتماده عليه مع أنّه غير واثقٍ به.
والتّوكُّل معنًى يلتئم من الأصلين: من الثِّقة، والاعتماد. وهو حقيقة ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.