مدارج السالكين

من البشر لا تبلغ هذا المبلغ، فكان منه ﷺ مبدأُ الرّمي، وهو الحذف١، ومن الرَّبِّ تعالى نهايتُه، وهو الإيصال. فأضاف إليه رميَ الحذف الذي هو مبدؤه، ونفى عنه رميَ الإيصال الذي هو نهايته٢.

ونظير هذا: قوله في الآية نفسها: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾، ثمّ قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، فأخبر: أنّه وحده هو الذي تفرَّد بقتلهم، ولم يكن ذلك بكم٣ أنتم، كما تفرّد بإيصال الحصى إلى أعينهم، ولم يكن ذلك برسوله٤.

ولكن وجه الإشارة بالآية: أنّه سبحانه أقام أسبابًا ظاهرةً لدفع المشركين، وتولَّى دفعَهم وإهلاكَهم بأسبابٍ باطنةٍ غير الأسباب التي تظهر للنّاس، فكان ما حصل من الهزيمة والقتل والنُّصرة مضافًا إليه وبه، وهو خير النَّاصرين.

قال٥: (الجمعُ: ما أسقطَ التفرقة، وقطَع الإشارة، وشخَص عن الماء والطِّين، بعد صحّة التمكين، والبراءة من التلوين، والخلاص من شهود

  1. (١) في ت بالخاء المعجمة هنا وفيما يأتي.
  2. (٢) وانظر: «زاد المعاد» (٣/ ٢١٣، ٧١٣) و«شفاء العليل» (ص ٥٩). وانظر من كتب شيخ الإسلام: «منهاج السنة» (٣/ ٢١٨)، و«الرد على البكري» (ص ١٤٣)، وكذا «مجموع الفتاوى» (٢/ ٣٣١، ٣٧٥)، (١٥/ ٣٩).
  3. (٣) «بكم» من ت، ر.
  4. (٤) ر: «من رسوله».
  5. (٥) «منازل السائرين» (ص ١٠٩).
410

الثنويّة، والتّنافي من إحساس الاعتلال، والتنافي١ من شهود شهودها. وهو على ثلاث درجاتٍ: جمعُ علمٍ، ثمّ جمعُ وجودٍ، ثمّ جمعُ عينٍ).

قوله: (الجمع: ما أسقط التّفرقة) هذا حدٌّ غير محصِّلٍ للفرق بين ما يُحمَد ويُذَمُّ من الجمع والتفرقة، فإنّ «الجمع» ينقسم إلى صحيح وباطل، و«التفرقة» تنقسم إلى محمودٍ ومذمومٍ، وكلٌّ منهما لا يُحمَد مطلقًا ولا يذَمُّ مطلقًا.

فيراد بالجمع: جمعُ الوجود، وهو جمعُ الملاحدة القائلين بوحدة الوجود. ويريدون بالتفرقة: الفرق بين الوجود القديم والمحدَث، وبين الخالق والمخلوق، وأصحابه يقولون: الجمع: ما أسقَطَ هذه التفرقة، ويقولون عن أنفسهم: إنّهم أصحاب جمع الوجود. ولهذا صرَّحَ بما ذكرناه محقِّقُ الملاحدة٢، فقال: التفرقةُ اعتبارُ الفرق بين وجودٍ ووجودٍ، فإذا زال الفرقُ في نظر المحقِّق حصَل له حقيقةُ الجمع.

ويراد بالجمع: الجمع في الإرادة والطلب على المراد المطلوب وحده، وبالتفرقة: تفرقة الهمّة والإرادة. وهذا هو الجمع الصحيح، والتفرقة المذمومة؛ فحدُّ الجمع الصحيح: ما أزال هذه التفرقة. وأمّا جمعٌ يزيل التفرقةَ بين الرَّبِّ والعبدِ، والخالق والمخلوق، والقديم والمحدَث= فأبطَلُ

  1. (١) في «المنازل»: «والتناقي»، وهو أشبه، فقد مضى «التنافي» في الجملة السابقة. وقد فسَّره القاساني في «شرحه» (ص ٦٠٣) بأنه مبالغة في النَّقاء. والمؤلف صادر عن «شرح التلمساني». وفي «شرح المناوي» (ص ٣٢٦): «التعافي ... والتنافي»، ولا تخفى مناسبة التعافي بالاعتلال.
  2. (٢) يعني: التلمساني. انظر: «شرحه» (٢/ ٥٩٥).
411

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي