مدارج السالكين

يبقى في صاحب هذه الجمعيّة موضعٌ للإشارة؛ لأنّ جمعيّته على المطلوب المراد أغنَتْه عن الإشارة إليه. وأيضًا فإنّ جمعيّته أفنته عن نفسه وإشارته، ففي مقام الفناء تنقطع الإشارة لأنّها من أحكام البشريّة.

قوله: (وشخَصَ عن الماء والطِّين). هذا يحتمل معنيين:

أحدهما: أن يريد بالماء والطِّين بني آدم، ونفسُه من جملتهم. أي شخَصَ عن النظر إلى الناس والالتفاتِ إليهم وتعلُّقِ القلب بهم بالكلِّيّة. وخصَّهم بالذِّكر لأنَّ أكثرَ العلائق وأصعبَها وأشدَّها قطعًا لصاحبها هي علائقهم، فإذا شخَصَ قلبُه عنهم بالكلِّيّة، فعن غيرهم ممَّن هو أبعد إليه منهم أولى وأحرى.

وفي ذكر الماء والطِّين تقريرٌ لهذا الشُّخوص عنهم، وتنبيهٌ على تعيُّنه ووجوبه، فإنَّ المخلوقَ من الماء والطِّين بشرٌ ضعيف، لا يملك لنفسه - ولا لمن تعلَّق به ــ جلبَ منفعةٍ ولا دفعَ مضرّةٍ، فإنَّ الماءَ والطِّينَ منفعلٌ لا فعَّالٌ، وعاجزٌ مهينٌ لا قويٌّ متينٌ، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ [الصافات: ١١]، وأخبر أنّه خلَقَنا ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨]. فحقيقٌ بابن الماء والطِّين أن يشخصَ عنه القلبُ، لا إليه؛ وأن يعوِّل على خالقه وحده، لا عليه؛ وأن يجعل رغبته كلَّها فيه وفيما لديه.

المعنى الثاني الذي يحتمله كلامه: أن يشخَص عن أحكام الطبيعة السُّفليّة الناشئة من الماء والطِّين وعن متعلِّقاتها إلى أحكام الأرواح العلويّة.

والله سبحانه ــ بحكمته وعجيب صنعه ــ جعل الإنسانَ مركّبًا من جوهرين: جوهرٍ طبيعيٍّ كثيفٍ وهو الجسم، وجوهرٍ روحانيٍّ لطيفٍ وهو

413

الرُّوح، ومن شأن كلِّ شكلٍ أن يميل إلى شكله، ومن طبع كلِّ مِثْلٍ أن ينجذب إلى مِثله= صار١ الإنسان ينجذب إلى العالم الطّبيعيِّ بما فيه من الكثافة، وإلى العالم الرُّوحانيِّ بما فيه من اللّطافة؛ فصارت في الإنسان قوّتان متضادّتان إحداهما: تجذبه سفلًا، والثّانية: تجذبه علوًا. فمن شخص عن طبيعة الماء والطِّين إلى محلِّ الأرواح العلويّة التي ليست من هذا العالم السُّفليِّ كان من أهل هذا الجمع المحمود الذي جمعه عن متفرِّقات النّفس والطّبع.

قوله: (بعد صحّة التمكين، والبراءة من التلوين، والخلاص من شهود الثنويّة). معناه: أنّ العبد لا يمكنه أن يشخص عن الماء والطِّين إلّا بعد صحّة تمكُّنه في المعرفة، وبراءته من التلوين. فشرَطَ الشيخُ حصولَ التّمكين له، وانتفاءَ التلوين عنه، وخلاصَه من شهود الثنويّة.

فالتلوين: تلوُّنه٢ لإجابة دواعي الطّبع٣ والنّفس. وشهودُ الثنويّة: عبارةٌ مجملةٌ محتملةٌ، وقد حملها الملحد٤ على أنّه يشهد٥ عبدًا وربًّا، وقديمًا وحادثًا، وخالقًا ومخلوقًا. والتّوحيد المحض: أن يتخلّص من ذلك بشهود وحدة الوجود، ومتى شهد تعدُّدَ الوجود كان ثنويًّا عند الملاحدة.

  1. (١) كذا وقع في النسخ فزيد في بعض الطبعات في أول الفقرة: «لمَّا» ليكون فعل «صار» جوابها.
  2. (٢) ش، د: «يلوِّنه».
  3. (٣) ت: «داعي الطبع».
  4. (٤) انظر: «شرح التلمساني» (٢/ ٥٩٦) ولفظه: «أي يرفع مع وجود الحق وجودًا لسواه».
  5. (٥) في ش، د بعده زيادة: «عبد».
414

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي