مدارج السالكين

الرُّوح، ومن شأن كلِّ شكلٍ أن يميل إلى شكله، ومن طبع كلِّ مِثْلٍ أن ينجذب إلى مِثله= صار١ الإنسان ينجذب إلى العالم الطّبيعيِّ بما فيه من الكثافة، وإلى العالم الرُّوحانيِّ بما فيه من اللّطافة؛ فصارت في الإنسان قوّتان متضادّتان إحداهما: تجذبه سفلًا، والثّانية: تجذبه علوًا. فمن شخص عن طبيعة الماء والطِّين إلى محلِّ الأرواح العلويّة التي ليست من هذا العالم السُّفليِّ كان من أهل هذا الجمع المحمود الذي جمعه عن متفرِّقات النّفس والطّبع.

قوله: (بعد صحّة التمكين، والبراءة من التلوين، والخلاص من شهود الثنويّة). معناه: أنّ العبد لا يمكنه أن يشخص عن الماء والطِّين إلّا بعد صحّة تمكُّنه في المعرفة، وبراءته من التلوين. فشرَطَ الشيخُ حصولَ التّمكين له، وانتفاءَ التلوين عنه، وخلاصَه من شهود الثنويّة.

فالتلوين: تلوُّنه٢ لإجابة دواعي الطّبع٣ والنّفس. وشهودُ الثنويّة: عبارةٌ مجملةٌ محتملةٌ، وقد حملها الملحد٤ على أنّه يشهد٥ عبدًا وربًّا، وقديمًا وحادثًا، وخالقًا ومخلوقًا. والتّوحيد المحض: أن يتخلّص من ذلك بشهود وحدة الوجود، ومتى شهد تعدُّدَ الوجود كان ثنويًّا عند الملاحدة.

  1. (١) كذا وقع في النسخ فزيد في بعض الطبعات في أول الفقرة: «لمَّا» ليكون فعل «صار» جوابها.
  2. (٢) ش، د: «يلوِّنه».
  3. (٣) ت: «داعي الطبع».
  4. (٤) انظر: «شرح التلمساني» (٢/ ٥٩٦) ولفظه: «أي يرفع مع وجود الحق وجودًا لسواه».
  5. (٥) في ش، د بعده زيادة: «عبد».
414

وأمّا الموحِّدون، فالثّنويّة التي يجب التّخلُّص منها١: أن يتّخذ إلهين اثنين، فيشهدَ مع الله إلهًا آخر. وأمّا كونُه شهد مع الله موجودًا غيرَه هو موجدُه وخالقُه وفاطرُه، فليس بثنويّةٍ، بل توحيدٌ خالصٌ. ولا يتمُّ له التَّوحيدُ إلّا بهذا الشُّهود ليصحَّ له نفيُ الإلهيّة عنه، وإلّا فكيف ينفي الإلهيّةَ عمّا لا يشهده ويشهد نفيها عنه؟٢.

والمقصود: أنَّ صاحبَ الجمع إذا شهد ربًّا وعبدًا، وخالقًا ومخلوقًا، وآمرًا وفاعلًا منفِّذًا، ومحرِّكًا ومتحرِّكًا، ووليًّا وعدوًّا= كان ذلك موجَبَ عقد التّوحيد.

وصحّةُ التّمكين: هي حفظ الأصل الذي هو بقاء شهود الرُّسوم في مرتبتها. وكأنّه ﵀ نبّه بذلك على الاحتراز من القوم الذين تخطفهم٣ لوائحُ شهود الجمع وتمكُّنُهم ضعيفٌ، فينكرون صورَ الخلق، حتّى يقول أحدهم: أنا نورٌ من نور ربِّي، لما يغلب على أحدهم من شهود الجمع، وعدم تمكُّنه في البقاء٤.

وهذا قد يعرض للصّادق أحيانًا، فيعلم أنّه غالطٌ، فيرجع إلى الأصل، ويحكِّم العلمَ على الحال. فإذا صحا علِم أنّه كان غالطًا مخطئًا. وفي مثل هذه

  1. (١) في هامش ش مع إشارة اللحق هنا: «ظ عندهم صح»، وكذا في هامش د دون علامة ظ.
  2. (٢) «وإلا ... عنه» ساقط من ت.
  3. (٣) د: «تختطفهم». وفي ش: «تخفطهم»، تحريف.
  4. (٤) انظر: «شرح التلمساني» (٢/ ٥٩٦).
415

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي