مدارج السالكين

وأمّا الموحِّدون، فالثّنويّة التي يجب التّخلُّص منها١: أن يتّخذ إلهين اثنين، فيشهدَ مع الله إلهًا آخر. وأمّا كونُه شهد مع الله موجودًا غيرَه هو موجدُه وخالقُه وفاطرُه، فليس بثنويّةٍ، بل توحيدٌ خالصٌ. ولا يتمُّ له التَّوحيدُ إلّا بهذا الشُّهود ليصحَّ له نفيُ الإلهيّة عنه، وإلّا فكيف ينفي الإلهيّةَ عمّا لا يشهده ويشهد نفيها عنه؟٢.

والمقصود: أنَّ صاحبَ الجمع إذا شهد ربًّا وعبدًا، وخالقًا ومخلوقًا، وآمرًا وفاعلًا منفِّذًا، ومحرِّكًا ومتحرِّكًا، ووليًّا وعدوًّا= كان ذلك موجَبَ عقد التّوحيد.

وصحّةُ التّمكين: هي حفظ الأصل الذي هو بقاء شهود الرُّسوم في مرتبتها. وكأنّه ﵀ نبّه بذلك على الاحتراز من القوم الذين تخطفهم٣ لوائحُ شهود الجمع وتمكُّنُهم ضعيفٌ، فينكرون صورَ الخلق، حتّى يقول أحدهم: أنا نورٌ من نور ربِّي، لما يغلب على أحدهم من شهود الجمع، وعدم تمكُّنه في البقاء٤.

وهذا قد يعرض للصّادق أحيانًا، فيعلم أنّه غالطٌ، فيرجع إلى الأصل، ويحكِّم العلمَ على الحال. فإذا صحا علِم أنّه كان غالطًا مخطئًا. وفي مثل هذه

  1. (١) في هامش ش مع إشارة اللحق هنا: «ظ عندهم صح»، وكذا في هامش د دون علامة ظ.
  2. (٢) «وإلا ... عنه» ساقط من ت.
  3. (٣) د: «تختطفهم». وفي ش: «تخفطهم»، تحريف.
  4. (٤) انظر: «شرح التلمساني» (٢/ ٥٩٦).
415

الحال١ قال أبو يزيد: «سبحاني»، و«ما في الجبّة إلّا الله»، ونحو ذلك. فأخذ قومٌ هذه الشطحات، فجعلوها غايةً يجرُون إليها، ويعملون عليها. فالشَّيخُ شرَطَ أنّه لا يثبت شهودُ الجمع إلّا لمن تمكّن في شهود طور البقاء.

قوله: (والتنافي من الإحساس بالاعتلال). الاعتلال عندهم: هو التفرقةُ في الأسباب، والوقوفُ مع الرّبط الواقع بين المسبِّبات وأسبابها؛ وذلك عقدٌ لا يحلُّه إلّا شهودُ الجمع٢. ولا يخفى ما في هذه العبارة من العجمة والتّعقيد.

وكذلك قوله: (والتنافي من شهود شهودها). ومراده: أن ينتفي عنه شهودُ هذه الأشياء التي ذكرها كلِّها، وأن يفنى عن هذا الشُّهود. فإنّه إن لم يفْنَ عنها كلِّها وعن شهود فنائه وإلّا٣ فهو معها، لأنّه يحسُّ بها، ولا يقع الإحساس إلّا بما هو موجودٌ عند صاحب الإحساس. فإذا غاب عن شهودها ثمّ عن شهود الشُّهود فقد استقرَّ قدمُه في حضرة الجمع٤.

وقد تقدّم غير مرّةٍ أنّ هذا ليس بكمالٍ ولا مقصودٍ في نفسه، ولا يعطي كمالًا، ولا فيه معرفةٌ، ولا عبوديّةٌ، ولا دعت إليه الرُّسلُ البتّة، ولا أشار إليه القرآنُ، ولا وصفه أئمةُ أهل الطّريق المتقدِّمون. وغايتُه أن يشبَّه صاحبه

  1. (١) ش، د: «الحالة». وانظر ما علَّقت على شطحات أبي يزيد في المجلد الأول (ص ٢٣٨).
  2. (٢) «شرح التلمساني» (٢/ ٥٩٦).
  3. (٣) استعمال «وإلا» هنا من الخطأ الشائع في زمن المؤلف. والمعنى على حذفها. وقد سبق مثلها غير مرة.
  4. (٤) «شرح التلمساني» (٢/ ٥٩٧).
416

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي