الحال١ قال أبو يزيد: «سبحاني»، و«ما في الجبّة إلّا الله»، ونحو ذلك. فأخذ قومٌ هذه الشطحات، فجعلوها غايةً يجرُون إليها، ويعملون عليها. فالشَّيخُ شرَطَ أنّه لا يثبت شهودُ الجمع إلّا لمن تمكّن في شهود طور البقاء.
قوله: (والتنافي من الإحساس بالاعتلال). الاعتلال عندهم: هو التفرقةُ في الأسباب، والوقوفُ مع الرّبط الواقع بين المسبِّبات وأسبابها؛ وذلك عقدٌ لا يحلُّه إلّا شهودُ الجمع٢. ولا يخفى ما في هذه العبارة من العجمة والتّعقيد.
وكذلك قوله: (والتنافي من شهود شهودها). ومراده: أن ينتفي عنه شهودُ هذه الأشياء التي ذكرها كلِّها، وأن يفنى عن هذا الشُّهود. فإنّه إن لم يفْنَ عنها كلِّها وعن شهود فنائه وإلّا٣ فهو معها، لأنّه يحسُّ بها، ولا يقع الإحساس إلّا بما هو موجودٌ عند صاحب الإحساس. فإذا غاب عن شهودها ثمّ عن شهود الشُّهود فقد استقرَّ قدمُه في حضرة الجمع٤.
وقد تقدّم غير مرّةٍ أنّ هذا ليس بكمالٍ ولا مقصودٍ في نفسه، ولا يعطي كمالًا، ولا فيه معرفةٌ، ولا عبوديّةٌ، ولا دعت إليه الرُّسلُ البتّة، ولا أشار إليه القرآنُ، ولا وصفه أئمةُ أهل الطّريق المتقدِّمون. وغايتُه أن يشبَّه صاحبه
(١) ش، د: «الحالة». وانظر ما علَّقت على شطحات أبي يزيد في المجلد الأول (ص ٢٣٨).
(٢) «شرح التلمساني» (٢/ ٥٩٦).
(٣) استعمال «وإلا» هنا من الخطأ الشائع في زمن المؤلف. والمعنى على حذفها. وقد سبق مثلها غير مرة.
(٤) «شرح التلمساني» (٢/ ٥٩٧).
بالغائب عن عقله وحسِّه وإدراكه. وغايته أن يكون عارضًا من عوارض الطّريق ليس بلازمٍ، فضلًا عن أن يكون غايةً.
ولمّا جعله مَن جعله غايةً مطلوبةً يشمِّر إليها السّالكون دخل بسبب ذلك من الفساد على من شمَّر إليه ما يعلمه الرّاسخون في العلم من أئمّة هذا الشّأن. والله المستعان. والعبوديّةُ المطلوبةُ من العبد بمعزلٍ عن ذلك. وبالله التّوفيق.
قوله١: (وهو على ثلاث درجاتٍ: جمعُ علمٍ، ثمّ جمعُ وجودٍ، ثمّ جمعُ عينٍ فأمّا جمعُ العلم: فهو تلاشي علوم الشّواهد في العلم اللّدنِّيِّ صِرْفًا. وأمّا جمعُ الوجود: فهو تلاشي نهاية الاتِّصال في عين الوجود مَحْقًا. وأمّا جمعُ العين: فهو تلاشي كلِّ ما تُقِلُّه الإشارة في ذات الحقِّ حقًّا).
علومُ الشّواهد: هي ما حصلت من الاستدلال بالأثر على المؤثِّر، وبالمصنوع على الصّانع. فالمصنوعات شواهدُ وأدلّةٌ وآثارٌ، وعلوم الشّواهد هي المستندةُ إلى الشَّواهد الحاصلة عنها٢. والعلمُ اللَّدُنِّيُّ: هو العلم الذي يقذفه الله في القلب إلهامًا بلا سببٍ من العبد ولا استدلالٍ، ولذلك سمِّي لَدُنِّيًّا. قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾[الكهف: ٦٥]. والله تعالى هو الذي علَّم العباد ما لم يعلموا، كما قال تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾[العلق: ٥]. ولكنّ هذا العلم أخصُّ من غيره، ولذلك أضافه إليه سبحانه، كبيته وناقته وبلده وعبده ونحو ذلك. فتضمحلُّ العلومُ المستندةُ إلى الأدلّة