بالغائب عن عقله وحسِّه وإدراكه. وغايته أن يكون عارضًا من عوارض الطّريق ليس بلازمٍ، فضلًا عن أن يكون غايةً.
ولمّا جعله مَن جعله غايةً مطلوبةً يشمِّر إليها السّالكون دخل بسبب ذلك من الفساد على من شمَّر إليه ما يعلمه الرّاسخون في العلم من أئمّة هذا الشّأن. والله المستعان. والعبوديّةُ المطلوبةُ من العبد بمعزلٍ عن ذلك. وبالله التّوفيق.
قوله١: (وهو على ثلاث درجاتٍ: جمعُ علمٍ، ثمّ جمعُ وجودٍ، ثمّ جمعُ عينٍ فأمّا جمعُ العلم: فهو تلاشي علوم الشّواهد في العلم اللّدنِّيِّ صِرْفًا. وأمّا جمعُ الوجود: فهو تلاشي نهاية الاتِّصال في عين الوجود مَحْقًا. وأمّا جمعُ العين: فهو تلاشي كلِّ ما تُقِلُّه الإشارة في ذات الحقِّ حقًّا).
علومُ الشّواهد: هي ما حصلت من الاستدلال بالأثر على المؤثِّر، وبالمصنوع على الصّانع. فالمصنوعات شواهدُ وأدلّةٌ وآثارٌ، وعلوم الشّواهد هي المستندةُ إلى الشَّواهد الحاصلة عنها٢. والعلمُ اللَّدُنِّيُّ: هو العلم الذي يقذفه الله في القلب إلهامًا بلا سببٍ من العبد ولا استدلالٍ، ولذلك سمِّي لَدُنِّيًّا. قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾[الكهف: ٦٥]. والله تعالى هو الذي علَّم العباد ما لم يعلموا، كما قال تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾[العلق: ٥]. ولكنّ هذا العلم أخصُّ من غيره، ولذلك أضافه إليه سبحانه، كبيته وناقته وبلده وعبده ونحو ذلك. فتضمحلُّ العلومُ المستندةُ إلى الأدلّة
(١) «منازل السائرين» (ص ١٠٩).
(٢) «شرح التلمساني» (٢/ ٥٩٧).
والشّواهد في العلم اللّدنِّيِّ الحاصل بلا سببٍ ولا استدلالٍ. هذا مضمون كلامه.
ونحن نقول: إنّ العلم الحاصل بالشّواهد والأدلّة هو العلم الحقيقيُّ. وأمّا ما يُدَّعى حصولُه بغير شاهدٍ ولا دليلٍ، فلا وثوق به، وليس بعلمٍ. نعم، قد يقوى العلم الحاصل بالشّواهد ويتزايد، بحيث يصير المعلومُ كالمشهود، والغائبُ كالمعايَن، وعلمُ اليقين كعين اليقين. فيكون الأمر شعورًا أوّلًا، ثمّ تجويزًا، ثمّ ظنًّا، ثمّ علمًا، ثمّ معرفةً، ثمّ علمَ يقينٍ١،ثمّ عينَ يقينٍ؛ وتضمحلُّ كلُّ مرتبةٍ في التي فوقها بحيث يصير الحكمُ لها دونها. فهذا حقٌّ.
وأمّا دعوى وقوع نوعٍ من العلم بغير سببٍ ولا استدلال، فليس بصحيحٍ، فإنّ الله سبحانه ربط التّعريفات بأسبابها، كما ربط الكائنات بأسبابها، ولا يحصل لبشرٍ علمٌ إلّا بدليلٍ يدلُّه عليه. وقد أيّد الله رسلَه بأنواع الأدلّة والبراهين التي دلَّتهم على أنّ ما جاءهم هو من عند الله، ودلَّت أممَهم على ذلك، وكان معهم أعظمُ الأدلّة والبراهين على أنّ ما جاءهم هو من عند الله، وكانت براهينُهم أدلّةً وشواهد لهم وللأمم. فالأدلَّةُ والشَّواهدُ التي كانت لهم ومعهم أعظَمُ الشّواهد والأدلّة، والله تعالى شهد بتصديقهم بما أقام عليه من الشّواهد. فكلُّ علمٍ٢ لا يستند إلى دليلٍ فدعوى لا دليل عليها، وحكمٌ لا برهان عند قائله؛ وما كان كذلك لم يكن علمًا، فضلًا عن أن يكون لدُنِّيًّا.
(١) في ت، ر بعده: «ثم حقَّ يقين»، وهي زيادة مريبة إذ لا محلّ لها هنا. وانظر كلام المؤلف على مراتب اليقين في شرح منزلة اليقين (٣/ ١٨٠) وكتابه «التبيان» (ص ٢٨٤ - ٢٨٦).