مدارج السالكين

والشّواهد في العلم اللّدنِّيِّ الحاصل بلا سببٍ ولا استدلالٍ. هذا مضمون كلامه.

ونحن نقول: إنّ العلم الحاصل بالشّواهد والأدلّة هو العلم الحقيقيُّ. وأمّا ما يُدَّعى حصولُه بغير شاهدٍ ولا دليلٍ، فلا وثوق به، وليس بعلمٍ. نعم، قد يقوى العلم الحاصل بالشّواهد ويتزايد، بحيث يصير المعلومُ كالمشهود، والغائبُ كالمعايَن، وعلمُ اليقين كعين اليقين. فيكون الأمر شعورًا أوّلًا، ثمّ تجويزًا، ثمّ ظنًّا، ثمّ علمًا، ثمّ معرفةً، ثمّ علمَ يقينٍ١،ثمّ عينَ يقينٍ؛ وتضمحلُّ كلُّ مرتبةٍ في التي فوقها بحيث يصير الحكمُ لها دونها. فهذا حقٌّ.

وأمّا دعوى وقوع نوعٍ من العلم بغير سببٍ ولا استدلال، فليس بصحيحٍ، فإنّ الله سبحانه ربط التّعريفات بأسبابها، كما ربط الكائنات بأسبابها، ولا يحصل لبشرٍ علمٌ إلّا بدليلٍ يدلُّه عليه. وقد أيّد الله رسلَه بأنواع الأدلّة والبراهين التي دلَّتهم على أنّ ما جاءهم هو من عند الله، ودلَّت أممَهم على ذلك، وكان معهم أعظمُ الأدلّة والبراهين على أنّ ما جاءهم هو من عند الله، وكانت براهينُهم أدلّةً وشواهد لهم وللأمم. فالأدلَّةُ والشَّواهدُ التي كانت لهم ومعهم أعظَمُ الشّواهد والأدلّة، والله تعالى شهد بتصديقهم بما أقام عليه من الشّواهد. فكلُّ علمٍ٢ لا يستند إلى دليلٍ فدعوى لا دليل عليها، وحكمٌ لا برهان عند قائله؛ وما كان كذلك لم يكن علمًا، فضلًا عن أن يكون لدُنِّيًّا.

  1. (١) في ت، ر بعده: «ثم حقَّ يقين»، وهي زيادة مريبة إذ لا محلّ لها هنا. وانظر كلام المؤلف على مراتب اليقين في شرح منزلة اليقين (٣/ ١٨٠) وكتابه «التبيان» (ص ٢٨٤ - ٢٨٦).
  2. (٢) ش، د: «وكل علم».
418

فالعلمُ اللَّدنِّيُّ: ما قام الدّليل الصّحيح عليه أنّه جاء من عند الله على لسان رسله. وما عداه فلدنِّيٌّ من لدن نفسِ الإنسان، منه بدأ وإليه يعود. وقد انبثق سدُّ العلم اللَّدنِّيِّ، ورخُصَ١ سعرهُ، حتّى ادّعت كلُّ طائفةٍ أنّ علَمهم لدنِّيٌّ، وصار مَن تكلّم في حقائق الإيمان والسُّلوك وباب الأسماء والصِّفات بما يسنح له ويلقيه شيطانُه في قلبه يزعم أنَّ علمَه لدنِّيٌّ! فملاحدةُ الاتِّحاديّة وزنادقةُ المنتسبين إلى السُّلوك يقولون: إنَّ علمَهم لدنِّيٌّ. وقد صنّف في العلم اللّدنِّيِّ متهوِّكو المتكلِّمين وزنادقةُ المتصوِّفين وجهلةُ المتفلسفين، وكلُّهم يزعم أنَّ علمَه لدنِّيٌّ! وصدقوا وكذبوا! فإنَّ اللَّدنِّيَّ منسوبٌ إلى «لدن» بمعنى عند، فكأنّهم قالوا: العلم العنديُّ، ولكنَّ الشّأنَ فيمن هذا العلم من عنده ولدنه.

وقد ذمَّ اللهُ تعالى بأبلغ الذّمِّ من ينسب إليه ما ليس من عنده، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨]. وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣].

فكلُّ من قال: إنَّ هذا العلمَ من عند الله وهو كاذبٌ في هذه النِّسبة، فله نصيبٌ وافرٌ من هذا الذّمِّ. وهذا في القرآن كثيرٌ، يذُمُّ من أضاف إليه ما لا علم له به٢، ومن قال عليه ما لا يعلم٣. ولهذا رتَّب سبحانه المحرَّماتِ أربعَ

  1. (١) ضبط في ت: «رُخِّص».
  2. (٢) «به» ساقط من ش، د.
  3. (٣) ت: «لم يعلم».
419

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي