مدارج السالكين

فالعلمُ اللَّدنِّيُّ: ما قام الدّليل الصّحيح عليه أنّه جاء من عند الله على لسان رسله. وما عداه فلدنِّيٌّ من لدن نفسِ الإنسان، منه بدأ وإليه يعود. وقد انبثق سدُّ العلم اللَّدنِّيِّ، ورخُصَ١ سعرهُ، حتّى ادّعت كلُّ طائفةٍ أنّ علَمهم لدنِّيٌّ، وصار مَن تكلّم في حقائق الإيمان والسُّلوك وباب الأسماء والصِّفات بما يسنح له ويلقيه شيطانُه في قلبه يزعم أنَّ علمَه لدنِّيٌّ! فملاحدةُ الاتِّحاديّة وزنادقةُ المنتسبين إلى السُّلوك يقولون: إنَّ علمَهم لدنِّيٌّ. وقد صنّف في العلم اللّدنِّيِّ متهوِّكو المتكلِّمين وزنادقةُ المتصوِّفين وجهلةُ المتفلسفين، وكلُّهم يزعم أنَّ علمَه لدنِّيٌّ! وصدقوا وكذبوا! فإنَّ اللَّدنِّيَّ منسوبٌ إلى «لدن» بمعنى عند، فكأنّهم قالوا: العلم العنديُّ، ولكنَّ الشّأنَ فيمن هذا العلم من عنده ولدنه.

وقد ذمَّ اللهُ تعالى بأبلغ الذّمِّ من ينسب إليه ما ليس من عنده، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨]. وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣].

فكلُّ من قال: إنَّ هذا العلمَ من عند الله وهو كاذبٌ في هذه النِّسبة، فله نصيبٌ وافرٌ من هذا الذّمِّ. وهذا في القرآن كثيرٌ، يذُمُّ من أضاف إليه ما لا علم له به٢، ومن قال عليه ما لا يعلم٣. ولهذا رتَّب سبحانه المحرَّماتِ أربعَ

  1. (١) ضبط في ت: «رُخِّص».
  2. (٢) «به» ساقط من ش، د.
  3. (٣) ت: «لم يعلم».
419

مراتب، وجعل أشدَّها: القولَ عليه بلا علمٍ، فجعله آخر مراتب المحرَّمات التي لا تباح بحالٍ، بل هي محرّمةٌ في كلِّ ملّةٍ على لسان كلِّ رسولٍ١. فالقائلُ: إنّ هذا علمٌ لّدنِّيٌّ، لِما لا يعلم أنّه من عند الله ولا قام عليه برهانٌ من الله أنّه من عنده= كاذبٌ مفترٍ على الله، وهو من أظلم الظالمين وأكذب الكاذبين.

وقوله: (وأمّا جمعُ الوجود، فهو تلاشي نهاية الاتِّصال في عين الوجود مَحْقًا).

(تلاشي نهاية الاتِّصال): هو فناء العبد في الشُّهود. و(نهاية الاتِّصال): هو ما ذكره في الدّرجة الثّالثة من باب الاتِّصال٢ أنّه (لا يدرك منه نعتٌ ولا مقدارٌ إلّا اسمٌ معارٌ، ولمحٌ إليه يشار٣). فحقيقة الجمع في هذه الدّرجة: تلاشي ذلك في عين الوجود، أي في حقيقته. ويريد بالوجود: ما أشار إليه في الدّرجة الثّانية من باب الوجود، وهو قوله: «وجود الحقِّ: وجودُ عينٍ، منقطعًا عن مساغ الإشارة». فتضمحلُّ نهاية الاتِّصال في هذا الوجود مَحْقًا، أي ذوبانًا وفناءً.

  1. (١) انظر ما سبق في المجلد الأول (ص ٥١٧) من كلام المؤلف على هذه المحرمات لاسيما القول على الله بغير علم.
  2. (٢) «المنازل» (ص ١٠٠)، وقد سبق (ص ٢٦٥).
  3. (٣) كذا «معار ... يشار» في ت، ومثله في «شرح الإسكندري» (ص ٢٠٥) و«شرح الفركاوي» (ص ١٣٢). وفي ش، د كلاهما بالياء. وفي «المنازل» كلاهما بالميم: «معار ... مشار»، ومثله في «شرح التلمساني» (٢/ ٥٤٩) و«شرح القاساني» (ص ٥٥٧).
420

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي