مراتب، وجعل أشدَّها: القولَ عليه بلا علمٍ، فجعله آخر مراتب المحرَّمات التي لا تباح بحالٍ، بل هي محرّمةٌ في كلِّ ملّةٍ على لسان كلِّ رسولٍ١. فالقائلُ: إنّ هذا علمٌ لّدنِّيٌّ، لِما لا يعلم أنّه من عند الله ولا قام عليه برهانٌ من الله أنّه من عنده= كاذبٌ مفترٍ على الله، وهو من أظلم الظالمين وأكذب الكاذبين.
وقوله: (وأمّا جمعُ الوجود، فهو تلاشي نهاية الاتِّصال في عين الوجود مَحْقًا).
(تلاشي نهاية الاتِّصال): هو فناء العبد في الشُّهود. و(نهاية الاتِّصال): هو ما ذكره في الدّرجة الثّالثة من باب الاتِّصال٢ أنّه (لا يدرك منه نعتٌ ولا مقدارٌ إلّا اسمٌ معارٌ، ولمحٌ إليه يشار٣). فحقيقة الجمع في هذه الدّرجة: تلاشي ذلك في عين الوجود، أي في حقيقته. ويريد بالوجود: ما أشار إليه في الدّرجة الثّانية من باب الوجود، وهو قوله: «وجود الحقِّ: وجودُ عينٍ، منقطعًا عن مساغ الإشارة». فتضمحلُّ نهاية الاتِّصال في هذا الوجود مَحْقًا، أي ذوبانًا وفناءً.
(١) انظر ما سبق في المجلد الأول (ص ٥١٧) من كلام المؤلف على هذه المحرمات لاسيما القول على الله بغير علم.
(٢) «المنازل» (ص ١٠٠)، وقد سبق (ص ٢٦٥).
(٣) كذا «معار ... يشار» في ت، ومثله في «شرح الإسكندري» (ص ٢٠٥) و«شرح الفركاوي» (ص ١٣٢). وفي ش، د كلاهما بالياء. وفي «المنازل» كلاهما بالميم: «معار ... مشار»، ومثله في «شرح التلمساني» (٢/ ٥٤٩) و«شرح القاساني» (ص ٥٥٧).
قوله: (وأمَّا جمع العين: فهو تلاشي كلِّ ما تُقِلُّه الإشارةُ في ذات الحقِّ حقًّا).
(تُقِلُّه الإشارة)، أي تحمله وتقوم به. والإشارة تارةً تكون باليد والرّأس فتكون إيماءً، وتارةً تكون بالعين فتكون رمزًا، وتارةً تكون باللفظ فتسمّى تعريضًا، وتارةً تكون بالذِّهن والعقل. فتضمحلُّ كلُّ هذه الأنواع وتبطلُ عند شهودِ العين في حضرة الجمع، وظهورِ جلال الذات المقدّسة. والذّاتُ هي الحاملة للصِّفات والأفعال.
فعرفتَ من هذا: أنّه في الدرجة الأولى يغيبُ عن جميع العلوم المتعلِّقة بالأدلّة والشواهد بالعلم اللَّدُنِّيِّ. وفي الدرجة الثانية يغيب عن اتِّصاله وشهود اتِّصاله بالوجود، فإنّ الوجود فوق الاتِّصال كما تقدّم١. وهذا كما يغيب الواجدُ الذي قد ظفر بموجوده عن شهود وصوله إليه واتِّصاله به، فغيَّبَتْه٢ عينُ وجوده عن شهود نفسه وصفاتها. وفي الدرجة الثالثة يضمحلُّ كلُّ ما تحمله الإشارةُ إلى ذاتٍ أو إلى صفةٍ٣ أو حالٍ أو مقامٍ في ذات الحقِّ سبحانه، فلا يبقى هناك ما يشار إليه سواه.
قوله٤: (والجمع: غاية مقامات٥ السّالكين، وهو طرف بحر التوحيد).
وجه ذلك: أنَّ السّالكَ ما دام في سلوكه فهو في تفرقةِ الاستدلال وطلبِ