الشَّواهد، فإذا وصل إلى مقام المعرفة وصار همُّه همًّا واحدًا لله وفي الله وبالله نزَلَ في منزلة الجمع، وشمَّرَ لركوب بحر التَّوحيد الذي يتلاشى فيه كلُّ ما سوى الواحد القهّار. فالجمعُ عنده نهايةُ سفر السّالكين إلى الله.
وهذا موضعٌ غير مسلَّمٍ له على إطلاقه، وإنّما غاية مقامات١ السّالكين: التوبةُ التي هي بدايات منازلهم.
ولعلَّ سمعَك ينفر من هذا غاية النُّفور، وتقول: هذا كلام من لم يعرف شيئًا من طريق القوم، ولا نزل في منازل الطريق! ولَعَمْرُ الله، إنّ كثيرًا من الناس ليوافقك على هذا، ويقول: أين كنّا؟ وأين صرنا؟ نحن قد قطعنا منزلة التّوبة وبيننا وبينها مائةُ مقامٍ، فنرجع من مائة مقامٍ إليها، ونجعلها غايةَ مقامات السالكين!
فاسمَع الآن وعِهْ، ولا تعجَلْ بالإنكار، ولا تُبادِرْ بالردِّ، وافتَحْ ذهنك لمعرفة نفسك، وحقوق ربِّك، وما ينبغي له منك، وما له من الحقِّ عليك؛ ثمّ انسُبْ أعمالك وأحوالك وتلك المنازلَ التي نزلتها والمقاماتِ التي قمتَ فيها لله وبالله إلى عظيم٢ جلاله وما يستحقُّه وما هو له أهلٌ. فإن رأيتها وافيةً بذلك مكافئةً له فلا حاجة بك حينئذٍ إلى التوبة، والرُّجوعُ إليها وقوعٌ٣ عن المقامات العليّة، وانحطاطٌ من عُلْوٍ إلى سُفْلٍ، ورجوعٌ من غايةٍ إلى بدايةٍ. وما أظنُّ ذلك بعيدًا من كثيرٍ من المنتسبين إلى هذا الشأن
(١) في ت، ر: «مقام» هنا وفي آخر الفقرة الآتية.
(٢) ش، د: «عظم».
(٣) ش، د: «رجوع».
المغرورين بمعارفهم وأحوالهم وإشاراتهم!
وإن رأيت أنّ أضعافَ أضعافِ ما قمتَ به من صدقٍ وإخلاصٍ وإنابةٍ وتوكُّلٍ وزهدٍ وعبادةٍ لا يفي بأيسَرِ حقٍّ له عليك، ولا يكافئ نعمةً من نِعَمه عندك، وأنّ ما يستحقُّه لجلاله أعظمُ وأجلُّ وأكثَرُ ممّا يقوم به الخلق= فاعلم الآن أنَّ التوبةَ نهايةُ كلِّ عارفٍ وغايةُ كلِّ سالكٍ، وكما أنّها بدايةٌ فهي نهايةٌ، والحاجةُ إليها في النِّهاية أشدُّ من الحاجة إليها في البداية، بل هي١ في النِّهاية في محلِّ الضَّرورة.
فاسمع الآن ما خاطب الله به رسولَه في آخر الأمر وعند النِّهاية، وكيف كان٢ رسولُ الله ﷺ في آخر حياته أشدَّ ما كان استغفارًا وأكثرَه:
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾[التوبة: ١١٧]. وهذا أنزله٣ الله سبحانه بعد غزوة تبوك، وهي آخر الغزوات التي غزاها رسول الله٤ﷺ بنفسه؛ فجعل الله سبحانه التَّوبةَ عليهم شُكرانًا لما تقدَّم من تلك الأعمال وذلك الجهاد.
وقال تعالى في آخر ما أنزل على رسوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ