وإن رأيت أنّ أضعافَ أضعافِ ما قمتَ به من صدقٍ وإخلاصٍ وإنابةٍ وتوكُّلٍ وزهدٍ وعبادةٍ لا يفي بأيسَرِ حقٍّ له عليك، ولا يكافئ نعمةً من نِعَمه عندك، وأنّ ما يستحقُّه لجلاله أعظمُ وأجلُّ وأكثَرُ ممّا يقوم به الخلق= فاعلم الآن أنَّ التوبةَ نهايةُ كلِّ عارفٍ وغايةُ كلِّ سالكٍ، وكما أنّها بدايةٌ فهي نهايةٌ، والحاجةُ إليها في النِّهاية أشدُّ من الحاجة إليها في البداية، بل هي١ في النِّهاية في محلِّ الضَّرورة.
فاسمع الآن ما خاطب الله به رسولَه في آخر الأمر وعند النِّهاية، وكيف كان٢ رسولُ الله ﷺ في آخر حياته أشدَّ ما كان استغفارًا وأكثرَه:
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾[التوبة: ١١٧]. وهذا أنزله٣ الله سبحانه بعد غزوة تبوك، وهي آخر الغزوات التي غزاها رسول الله٤ﷺ بنفسه؛ فجعل الله سبحانه التَّوبةَ عليهم شُكرانًا لما تقدَّم من تلك الأعمال وذلك الجهاد.
وقال تعالى في آخر ما أنزل على رسوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
(١) «هي» ساقط من ت.
(٢) ش، د: «فإن»، تحريف.
(٣) ش، د: «أنزل».
(٤) «رسول الله» من ش، د.
وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. وفي «الصحيح»١ أنّه ﷺ ما صلّى صلاةً٢ بعد إذ أُنزلت عليه هذه السُّورة إلَّا قال فيها: «سبحانك اللهمَّ ربَّنا وبحمدك، اللهمَّ اغفر لي». وذلك في نهاية أمره صلوات الله وسلامه عليه. ولهذا فهم منها علماءُ الصَّحابة كعمر بن الخطّاب وعبد الله بن عبّاسٍ أنَّه أجلُ رسول الله ﷺ أعلَمَه الله إيّاه٣. فأمره سبحانه بالاستغفار في نهاية أحواله وآخر أمره أعلى ما كان مقامًا وحالًا.
وآخرُ ما سُمِع من كلامه عند قدومه على ربِّه: «اللهمّ اغفر لي، وألحقني بالرّفيق الأعلى»٤.
وكان ﷺ يختم٥ كلَّ عملٍ صالحٍ بالاستغفار كالوضوء، والصّلاة، والحجِّ، والجهاد، فإنّه كان إذا فرغ منه وأشرف على المدينة قال: «آئبون، تائبون، لربِّنا حامدون»٦.
وشرع أن يختم المجلس بالاستغفار وإن كان مجلس خيرٍ وطاعةٍ٧.
(١) متفق عليه من حديث عائشة ﵂، وقد تقدم (١/ ٢٠٥).
(٢) لفظ «صلاة» ساقط من ش، د.
(٣) كما جاء في حديث ابن عباس ﵄ في «صحيح البخاري» (٣٦٢٧) وقد تقدم أيضًا.
(٤) أخرجه البخاري (٤٤٤٠) ومسلم (٢٤٤٤) من حديث عائشة ﵂.
(٥) في ش، د بعده زيادة: «على»، وقد تقدَّم تفصيل عمل النبي ﷺ من قبل.
(٦) أخرجه البخاري (١٧٩٧) ومسلم (١٣٤٤) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
(٧) وذلك بأن يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». رُوي من حديث عدة من الصحابة، أمثلها ما أخرجه أحمد (٢٤٤٨٦) والنسائي في «الكبرى» (١٠٠٦٧، ١٠١٦٠) والطبراني في «الدعاء» (١٩١٢) وغيرهم من حديث أم المؤمنين عائشة. صحَّح الحافظ إسناده في «النكت على ابن الصلاح» (٢/ ٧٣٢ - ٧٣٣) ووافقه الألباني في «الصحيحة» (٣١٦٤). وقد فصل المؤلف القول فيه وفي شواهده في «تهذيب السنن»، فانظره مع تعليق المحقق عليه (٣/ ٣٥٧ - ٣٦١).