مدارج السالكين

وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. وفي «الصحيح»١ أنّه ﷺ ما صلّى صلاةً٢ بعد إذ أُنزلت عليه هذه السُّورة إلَّا قال فيها: «سبحانك اللهمَّ ربَّنا وبحمدك، اللهمَّ اغفر لي». وذلك في نهاية أمره صلوات الله وسلامه عليه. ولهذا فهم منها علماءُ الصَّحابة كعمر بن الخطّاب وعبد الله بن عبّاسٍ أنَّه أجلُ رسول الله ﷺ أعلَمَه الله إيّاه٣. فأمره سبحانه بالاستغفار في نهاية أحواله وآخر أمره أعلى ما كان مقامًا وحالًا.

وآخرُ ما سُمِع من كلامه عند قدومه على ربِّه: «اللهمّ اغفر لي، وألحقني بالرّفيق الأعلى»٤.

وكان ﷺ يختم٥ كلَّ عملٍ صالحٍ بالاستغفار كالوضوء، والصّلاة، والحجِّ، والجهاد، فإنّه كان إذا فرغ منه وأشرف على المدينة قال: «آئبون، تائبون، لربِّنا حامدون»٦.

وشرع أن يختم المجلس بالاستغفار وإن كان مجلس خيرٍ وطاعةٍ٧.

  1. (١) متفق عليه من حديث عائشة ﵂، وقد تقدم (١/ ٢٠٥).
  2. (٢) لفظ «صلاة» ساقط من ش، د.
  3. (٣) كما جاء في حديث ابن عباس ﵄ في «صحيح البخاري» (٣٦٢٧) وقد تقدم أيضًا.
  4. (٤) أخرجه البخاري (٤٤٤٠) ومسلم (٢٤٤٤) من حديث عائشة ﵂.
  5. (٥) في ش، د بعده زيادة: «على»، وقد تقدَّم تفصيل عمل النبي ﷺ من قبل.
  6. (٦) أخرجه البخاري (١٧٩٧) ومسلم (١٣٤٤) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
  7. (٧) وذلك بأن يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». رُوي من حديث عدة من الصحابة، أمثلها ما أخرجه أحمد (٢٤٤٨٦) والنسائي في «الكبرى» (١٠٠٦٧، ١٠١٦٠) والطبراني في «الدعاء» (١٩١٢) وغيرهم من حديث أم المؤمنين عائشة. صحَّح الحافظ إسناده في «النكت على ابن الصلاح» (٢/ ٧٣٢ - ٧٣٣) ووافقه الألباني في «الصحيحة» (٣١٦٤). وقد فصل المؤلف القول فيه وفي شواهده في «تهذيب السنن»، فانظره مع تعليق المحقق عليه (٣/ ٣٥٧ - ٣٦١).
424

وشرع أن يختم العبدُ عملَ يومه بالاستغفار، فيقول عند النوم: «أستغفر الله الذي لا إله إلّا هو الحيُّ القيُّوم وأتوب إليه»١، وأن ينام على سيِّد الاستغفار٢.

والعارفُ بالله وأسمائه وصفاته وحقوقه يعلم أنَّ العبدَ أحوجُ ما يكون إلى التّوبة في نهايته، وأنّه أحوجُ إلى التّوبة من الفناء، والاتِّصال، وجمع الشّواهد، وجمع الوجود، وجمع العين. وكيف يكون ذلك أعلى مقامات السّالكين وغايةَ مطالب المقرَّبين، ولم يأت له ذكرٌ في قرآنٍ ولا في سُنّةٍ، ولا يعرفه إلّا النادرُ من الناس، ولا يتصوَّره أكثرهم إلّا بصعوبةٍ ومشقّةٍ، ولو سمعه أكثرُ الخلق لما فهموه ولا عرفوا المرادَ منه إلّا بترجمةٍ؟ فأين في كتاب الله، أو سنّة رسوله ﷺ، أو كلام٣ الصحابة الذين نسبةُ معارفِ مَن بعدهم إلى معارفهم كنسبة فضلهم ودينهم وجهادهم إليهم٤ = ما يدلُّ على ذلك٥ أو

  1. (١) أخرجه أحمد (١١٠٧٤) والترمذي (٣٣٩٧) وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري. وفي إسناده عبيد الله بن الوليد الوصافي وعطية العوفي، كلاهما ضعيف.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٦٣٠٦) وقد تقدَّم غير مرة.
  3. (٣) ش، د: «وسنة ... وكلام».
  4. (٤) أي: إلى فضل الصحابة ودينهم وجهادهم. وفي ش، د: «إليه».
  5. (٥) ت: «عليه».
425

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي