وشرع أن يختم العبدُ عملَ يومه بالاستغفار، فيقول عند النوم: «أستغفر الله الذي لا إله إلّا هو الحيُّ القيُّوم وأتوب إليه»١، وأن ينام على سيِّد الاستغفار٢.
والعارفُ بالله وأسمائه وصفاته وحقوقه يعلم أنَّ العبدَ أحوجُ ما يكون إلى التّوبة في نهايته، وأنّه أحوجُ إلى التّوبة من الفناء، والاتِّصال، وجمع الشّواهد، وجمع الوجود، وجمع العين. وكيف يكون ذلك أعلى مقامات السّالكين وغايةَ مطالب المقرَّبين، ولم يأت له ذكرٌ في قرآنٍ ولا في سُنّةٍ، ولا يعرفه إلّا النادرُ من الناس، ولا يتصوَّره أكثرهم إلّا بصعوبةٍ ومشقّةٍ، ولو سمعه أكثرُ الخلق لما فهموه ولا عرفوا المرادَ منه إلّا بترجمةٍ؟ فأين في كتاب الله، أو سنّة رسوله ﷺ، أو كلام٣ الصحابة الذين نسبةُ معارفِ مَن بعدهم إلى معارفهم كنسبة فضلهم ودينهم وجهادهم إليهم٤ = ما يدلُّ على ذلك٥ أو
(١) أخرجه أحمد (١١٠٧٤) والترمذي (٣٣٩٧) وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري. وفي إسناده عبيد الله بن الوليد الوصافي وعطية العوفي، كلاهما ضعيف.
(٢) أخرجه البخاري (٦٣٠٦) وقد تقدَّم غير مرة.
(٣) ش، د: «وسنة ... وكلام».
(٤) أي: إلى فضل الصحابة ودينهم وجهادهم. وفي ش، د: «إليه».
(٥) ت: «عليه».
يشير إليه؟ إذن فصار١ المتأخِّرون أربابُ هذه الاصطلاحات الحادثة بالألفاظ المجملة والمعاني المتشابهة أعرفَ بمقامات السالكين ومنازل السّائرين وغاياتها من أعلَمِ الخلق بالله بعد رسله! هذا من أعظم الباطل.
وهؤلاء في باب الإرادة والطلب والسُّلوك نظيرُ أرباب الكلام من المعتزلة والجهميّة ومن سلك سبيلهم في باب العلم والخبر عن الله وأسمائه وصفاته. فالطّائفتان ــ بل وكثيرٌ من المصنِّفين في الفقه ــ من المتكلِّفين أشدَّ التكلُّف. وقد قال الله لرسوله ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾[ص: ٨٦]. وقال عبد الله بن مسعودٍ ﵁: من كان منكم مستنًّا فليستنَّ بمن قد مات، فإنَّ الحيَّ لا يؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمّدٍ، أبرُّ هذه الأمّة قلوبًا، وأعمقُها علمًا، وأقلُّها تكلُّفًا. قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيِّه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقَّهم، وتمسَّكُوا بهديهم، فإنّهم كانوا على الهدي المستقيم٢.
فلا تجد هذا التكلُّف الشديد والتعقيد في الألفاظ والمعاني عند الصَّحابة أصلًا، وإنّما يوجد عند من عدل عن٣ طريقهم. وإذا تأمّله العارفُ وجَدَه «كلحمِ جملٍ غثٍّ، على رأس جبلٍ وَعْرٍ؛ لا سهلٌ فيرتقَى، ولا سمينٌ
(١) لم ترد «إذن» في ش، د. وفي ر: «أفصار».
(٢) أخرجه الهروي في «ذم الكلام» (٧٤٦) وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١٨١٠). وروي بنحوه عن الحسن البصري عند الآجري في «الشريعة» (١١٦١، ١٩٨٤) وابن عبد البر (١٨٠٧).