مدارج السالكين

يشير إليه؟ إذن فصار١ المتأخِّرون أربابُ هذه الاصطلاحات الحادثة بالألفاظ المجملة والمعاني المتشابهة أعرفَ بمقامات السالكين ومنازل السّائرين وغاياتها من أعلَمِ الخلق بالله بعد رسله! هذا من أعظم الباطل.

وهؤلاء في باب الإرادة والطلب والسُّلوك نظيرُ أرباب الكلام من المعتزلة والجهميّة ومن سلك سبيلهم في باب العلم والخبر عن الله وأسمائه وصفاته. فالطّائفتان ــ بل وكثيرٌ من المصنِّفين في الفقه ــ من المتكلِّفين أشدَّ التكلُّف. وقد قال الله لرسوله ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. وقال عبد الله بن مسعودٍ ﵁: من كان منكم مستنًّا فليستنَّ بمن قد مات، فإنَّ الحيَّ لا يؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمّدٍ، أبرُّ هذه الأمّة قلوبًا، وأعمقُها علمًا، وأقلُّها تكلُّفًا. قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيِّه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقَّهم، وتمسَّكُوا بهديهم، فإنّهم كانوا على الهدي المستقيم٢.

فلا تجد هذا التكلُّف الشديد والتعقيد في الألفاظ والمعاني عند الصَّحابة أصلًا، وإنّما يوجد عند من عدل عن٣ طريقهم. وإذا تأمّله العارفُ وجَدَه «كلحمِ جملٍ غثٍّ، على رأس جبلٍ وَعْرٍ؛ لا سهلٌ فيرتقَى، ولا سمينٌ

  1. (١) لم ترد «إذن» في ش، د. وفي ر: «أفصار».
  2. (٢) أخرجه الهروي في «ذم الكلام» (٧٤٦) وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١٨١٠). وروي بنحوه عن الحسن البصري عند الآجري في «الشريعة» (١١٦١، ١٩٨٤) وابن عبد البر (١٨٠٧).
  3. (٣) «عن» ساقطة من ش، د.
426

فينتقَل»١! فيطوِّل عليك الطّريقَ، ويوسِّع لك العبارةَ، ويأتي بكلِّ لفظٍ غريبٍ ومعنًى أغرب من اللفظ. فإذا وصلتَ لم تجد معك حاصلًا طائلًا، ولكن تسمَعُ جعجعةً ولا ترى طِحْنًا٢.

فالمتكلِّمون في جعاجع الجواهر والأعراض والأكوان والألوان، والجوهر الفرد، والأحوال والحركة والسُّكون، والوجود والماهيّة، والأحياز٣ والجهات، والنِّسب والإضافات، والغيرين والخلافين٤، والضِّدّين والنّقيضين، والتّماثل٥ والاختلاف. والعرض هل يبقى زمانين؟ وما هو الزّمان والمكان؟ ويموت أحدهم ولم يعرف الزّمان والمكان، ويعترف بأنّه لم يعرف الوجود: هل هو ماهيّة الشّيء أو زائدٌ عليها؟ ويعترف بأنه شاكٌّ في وجود الرّبِّ: هل هو وجودٌ محضٌ أو وجودٌ مقارنٌ لماهيّة؟ ويقول: الحقُّ عندي الوقف في هذه المسألة٦.

  1. (١) قطعة من حديث أم زرع، تمثل بها المؤلف. أخرجه البخاري (٥١٨٩) ومسلم (٢٤٤٨) من حديث عائشة ﵂.
  2. (٢) الطِّحن هو الدقيق. انظر المثل في «فصل المقال» (ص ٤٤٩)، «مجمع الأمثال» للميداني (١/ ٢٨٥) وغيرهما.
  3. (٣) ش، د: «الأخبار»، تصحيف. وفي ر: «الانحياز».
  4. (٤) ت: «المترادفين».
  5. (٥) ت: «التأويل».
  6. (٦) يظهر أن الإشارة إلى فخر الدين الرازي إذ نسب بعض ما ذكره هنا في «الصواعق» (٤/ ١٢٥٩) إلى «إمام الشك والتشكيك أفضل متأخريهم»، وأشار في (٣/ ١٠٧٩) إلى «تشكيكات الرازي». ولم أقف على قوله بالوقف في المسألة المذكورة هنا.
427

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي