مدارج السالكين

فينتقَل»١! فيطوِّل عليك الطّريقَ، ويوسِّع لك العبارةَ، ويأتي بكلِّ لفظٍ غريبٍ ومعنًى أغرب من اللفظ. فإذا وصلتَ لم تجد معك حاصلًا طائلًا، ولكن تسمَعُ جعجعةً ولا ترى طِحْنًا٢.

فالمتكلِّمون في جعاجع الجواهر والأعراض والأكوان والألوان، والجوهر الفرد، والأحوال والحركة والسُّكون، والوجود والماهيّة، والأحياز٣ والجهات، والنِّسب والإضافات، والغيرين والخلافين٤، والضِّدّين والنّقيضين، والتّماثل٥ والاختلاف. والعرض هل يبقى زمانين؟ وما هو الزّمان والمكان؟ ويموت أحدهم ولم يعرف الزّمان والمكان، ويعترف بأنّه لم يعرف الوجود: هل هو ماهيّة الشّيء أو زائدٌ عليها؟ ويعترف بأنه شاكٌّ في وجود الرّبِّ: هل هو وجودٌ محضٌ أو وجودٌ مقارنٌ لماهيّة؟ ويقول: الحقُّ عندي الوقف في هذه المسألة٦.

  1. (١) قطعة من حديث أم زرع، تمثل بها المؤلف. أخرجه البخاري (٥١٨٩) ومسلم (٢٤٤٨) من حديث عائشة ﵂.
  2. (٢) الطِّحن هو الدقيق. انظر المثل في «فصل المقال» (ص ٤٤٩)، «مجمع الأمثال» للميداني (١/ ٢٨٥) وغيرهما.
  3. (٣) ش، د: «الأخبار»، تصحيف. وفي ر: «الانحياز».
  4. (٤) ت: «المترادفين».
  5. (٥) ت: «التأويل».
  6. (٦) يظهر أن الإشارة إلى فخر الدين الرازي إذ نسب بعض ما ذكره هنا في «الصواعق» (٤/ ١٢٥٩) إلى «إمام الشك والتشكيك أفضل متأخريهم»، وأشار في (٣/ ١٠٧٩) إلى «تشكيكات الرازي». ولم أقف على قوله بالوقف في المسألة المذكورة هنا.
427

ويقول أفضلهم١ ــ عند نفسه٢ ــ عند الموت: أخرج من الدُّنيا وما عرفتُ شيئًا إلّا مسألةً واحدةً، وهي أنّ الممكن يفتقر إلى واجبٍ. ثمّ قال: الافتقار أمرٌ عدميٌّ، فأموت ولم أعرف شيئًا.

وهذا أكثر من أن يذكر، كما قال بعض السّلف٣: أكثَرُ النّاس شكًّا عند الموت أربابُ الكلام.

وآخرون أعظَمُ تكلُّفًا من هؤلاء وأبعَدُ شيءٍ عن العلم النّافع: أرباب الهَيُولي والصُّورة، والأُستُقُصَّات٤ والأركان، والعلل الأربعة، والجواهر العقليّة، والمفارقات والمجرَّدات، والمقولات العشر، والكلِّيّات الخمس، والمختلطات والموجّهات، والقضايا المسوَّرات، والقضايا المهملات٥.

  1. (١) يقصد: أفضل الدين محمد بن ناماوَر الخونجي الشافعي (ت ٦٤٩). وقد ذكر شيخ الإسلام في «درء التعارض» (١/ ١٦٢) أن التلمساني ذكر أنه سمع كلامه الآتي عنه وقت موته. وقال فيه (٣/ ٢٦٢) أنه بلغه عنه بإسناد متصل. وانظر: «الصواعق» (ص ١٦٨، ٦٦٤، ١٢٦٢).
  2. (٢) في ر: «عن نفسه»، وهو أشبه، إذ وصفه المؤلف نفسه بأفضل المتأخرين في «الصواعق» (ص ٦٦٤).
  3. (٣) كذا قال هنا! وفي «الصواعق» (ص ١٢٦٢): «قال العارف بحقيقة أمرهم». وعزاه شيخ الإسلام إلى أبي حامد الغزالي. انظر: «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٨).
  4. (٤) هي العناصر الأربعة: النار والهواء والماء والأرض، وهي لفظة يونانية. انظر: «مفاتيح العلوم» للخوارزمي (ص ١٣٦) و«التعريفات» للجرجاني (ص ٢٤).
  5. (٥) راجع لتفسير هذه المصطلحات المنطقية: «مفاتيح العلوم» للخوارزمي، و«التعريفات» للجرجاني، و«موسوعة مصطلحات علم المنطق عند العرب» طبعة مكتبة لبنان ناشرون، وغيرها من معاجم المصطلحات.
428

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي