فهم أعظم الطّوائف تكلُّفًا، وأقلُّهم تحصيلًا للعلم النّافع والعمل الصّالح.
وكذلك المتكلِّفون من أصحاب الإرادة والسُّلوك وأرباب الحال والمقام والوقت والمكان، والبادي والباده والوارد والخاطر والواقع والقادح واللّامع، والغيبة والحضور، والمحو والمَحْق١ والسَّحْق، والسُّكر والصَّحْو، واللّوائح والطَّوالع، والعطَش والدَّهش، والتّلبيس، والتّمكين والتّلوين، والاسم والرّسم، والجمع وجمع الجمع وجمع الشّواهد وجمع الوجود، والأثر والكون والبون٢، والاتِّصال والانفصال، والمسامرة والمشاهدة والمعاينة، والتّجلِّي والتحلِّي والتّخلِّي، وأنا بلا أنا، وأنت بلا أنت، ونحن بلا نحن، وهو بلا هو٣.
وكلُّ ذلك أدنى إشارةٍ إلى تكلُّف هؤلاء الطّوائف وتنطُّعهم. وكذلك كثيرٌ من المنتسبين إلى الفقه، لهم مثلُ هذا التّكلُّف أو أعظَمُ منه.
فكلُّ هؤلاء محجوبون بما لديهم، موقوفون على ما عندهم. خاضوا بزعمهم بحارَ العلم، وما ابتلَّت أقدامُهم. وكدُّوا أفكارَهم وأذهانَهم وخواطرَهم، وما استنارت بالعلم الموروث عن الرُّسل قلوبُهم وأفهامُهم! فرحين بما عندهم من العلوم، راضين بما قُيِّدوا به من الرُّسوم. فهم في وادٍ ورسولُ الله ﷺ وأصحابُه ﵃ في وادٍ! والله يعلم أنّا لم نتجاوز فيهم
القول، بل قصَّرنا فيما ينبغي لنا أن نقوله، فذكرنا غيضًا من فيضٍ، وقليلًا من كثيرٍ.
وهؤلاء كلُّهم داخلون تحت الرَّأي الذي اتّفق السّلفُ على ذمِّه وذمِّ أهله، فهم أهل الرّأي حقًّا، الذين قال فيهم عمر بن الخطّاب ﵁: إيّاكم وأصحابَ الرّأي، فإنّهم أعداءُ السُّنن. أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرّأي، فضلُّوا وأضلُّوا١.
وقال أيضًا: أصبح أصحابُ الرّأي أعداءَ السُّنن، أعيتهم٢ أن يعُوها، وتفلَّتت٣ أن يرووها، فاشتقُّوها بالرّأي٤.
وقال أبو بكرٍ الصِّدِّيق ﵁: أيُّ أرضٍ تقلُّني، وأيُّ سماءٍ تظلُّني، إن قلتُ في كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم؟٥.
(١) رواه الدارقطني في «السنن» (٤٢٨٠) واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (٢٠١) وابن عبد البر في «الجامع» (٢٠٠٤) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٥٢). وفي سنده عبد الرحمن بن شريك النخعي ووالده ومجالد بن سعيد كلهم ضعفاء. وقد أشار البيهقي في «المدخل» (٢١٤) إلى إعلاله.
(٢) «الأحاديث ... أعيتهم» ساقط من ت لانتقال النظر.
(٣) ت: «وثقلت»، تصحيف.
(٤) أخرجه ابن عبد البر في «الجامع» (٢٠٠١) من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم التيمي. وأخرجه أيضًا (٢٠٠٥) من طريق نافع بن يزيد عن ابن الهاد به.
(٥) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٠٧٩ - رواية أبي مصعب) وسعيد بن منصور في «السنن» (٣٩ - فضائل القرآن) وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (٦٨٧) وابن أبي شيبة (٣٠٧٢٧، ٣٠٧٣١) والطبري في «التفسير» (١/ ٧٢).