مدارج السالكين

وقال عمر ﵁: يا أيُّها النّاس، إنّ الرّأي إنَّما كان من رسول الله ﷺ مصيبًا لأنّ الله كان يُريه، وإنّما هو منَّا الظّنُّ والتّكلُّف١.

وقال ابن عبّاسٍ ﵄: من أحدَثَ رأيًا ليس في كتاب الله ولم تمضِ به سنّةُ رسول الله ﷺ لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله ﷿٢.

وقال عمر ﵁: يا أيُّها النّاس، اتّهموا رأيكم على الدِّين، فلقد رأيتُني وإنِّي لأردُّ أمرَ رسول الله ﷺ برأيي، أجتهد، والله ما آلو ذلك يوم أبي جندلٍ، والكاتبُ يكتُب، فقالوا: نكتُب: «باسمك اللهمَّ»، فرضي رسولُ الله ﷺ، وأبيتُ، فقال: «يا عمر، تراني قد رضيتُ، وتأبى؟»٣.

وقال ﷺ في الحديث الذي رُوِّيناه٤ من طريق مسدَّدٍ، حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن ابن جريجٍ، أخبرني سليمان بن عتيقٍ، عن طلق بن حبيبٍ، عن الأحنف بن قيسٍ، عن عبد الله بن مسعودٍ عن النبيِّ ﷺ قال: «ألا هلك المتنطِّعون، ألا هلك المتنطِّعون، ألا هلك المتنطِّعون» وإن لم تكن هذه

  1. (١) أخرجه أبو داود (٣٥٨٦) وفي سنده انقطاع فإن الزهري لم يدرك عمر بن الخطاب ﵁.
  2. (٢) أخرجه الدارمي (١٦٠) وابن وضاح في «البدع» (٩٤) وابن حزم في «الإحكام» (٦/ ٤٦) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٥٨).
  3. (٣) أخرجه أبو يعلى ــ كما في «مسند الفاروق» لابن كثير (٢/ ٣٥١) و«المقصد العلي» للهيثمي (٦٤) ــ والبزار في «المسند» (١٤٨) وابن المنذر في «الأوسط» (٦/ ٣٣٦ - ٣٣٧) والطبراني في «الكبير» (١/ ٧٢)، وصححه ابن حزم في «المحلَّى» (١/ ٦١).
  4. (٤) في «سنن أبي داود» (٤٦٠٨). وقد أخرجه مسلم (٢٦٧٠) عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا حفص بن غياث ويحيى بن سعيد، عن ابن جريج به.
431

الألفاظ والمعاني التي نجدها١ في كثيرٍ من كلام هؤلاء تنطُّعًا فليس للتّنطُّع حقيقةٌ.

فصل

فإن لم يسمح قلبك بكون التّوبة غايةَ مقامات٢ السّالكين، ولم تصغ إلى شيءٍ ممّا ذكرنا، وأبيتَ إلّا أن يكون تلاشي نهاية الاتِّصال في عين الوجود مَحْقًا، وتلاشي علوم الشّواهد في العلم اللَّدنِّيِّ صِرْفًا، وجمعُ الوجود وجمع العين= هو غايةَ٣ مقامات السّالكين إلى الله، بحيث يدخل في ذلك كلُّ سالكٍ؛ فاعلم أنّ هذا الجمع المذكور بمجرَّدِه لا يعطي عبوديّةً ولا إيمانًا، فضلًا عن٤ أن يكون غايةَ كلِّ نبيٍّ ووليٍّ وعارفٍ؛ فإنّ هذا الجمعَ يحصل للصِّدِّيق والزِّنديق، ولملاحدة الاتِّحاديّة منه حظٌّ كبيرٌ، وحوله يدندنون، وهو عندهم نهاية التّحقيق! فأين تحقيقُ العبوديّة والقيامُ بأعبائها واحتمالُ فرائضها وسننها وآدابها، والجهادُ لأعداء الله، والدّعوةُ إلى الله، والأمرُ بالمعروف والنّهي عن المنكر، وتحمُّلُ الأذى في الله= في هذا الجمع؟ وأين معرفة الأسماء والصِّفات فيه مفصّلًا؟ وأين معرفةُ ما يحبُّه الرَّبُّ تعالى ويكرهه فيه مفصَّلًا؟ وأين معرفةُ خير الخيرين وشرِّ الشّرّين فيه؟ وأين العلمُ بمراتب العبوديّة ومنازلها فيه؟

  1. (١) ش، د: «تجدها».
  2. (٢) ت: «مقام».
  3. (٣) ت: «نهاية».
  4. (٤) حرف «عن» لم يرد في ش، د.
432

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي