الألفاظ والمعاني التي نجدها١ في كثيرٍ من كلام هؤلاء تنطُّعًا فليس للتّنطُّع حقيقةٌ.
فصل
فإن لم يسمح قلبك بكون التّوبة غايةَ مقامات٢ السّالكين، ولم تصغ إلى شيءٍ ممّا ذكرنا، وأبيتَ إلّا أن يكون تلاشي نهاية الاتِّصال في عين الوجود مَحْقًا، وتلاشي علوم الشّواهد في العلم اللَّدنِّيِّ صِرْفًا، وجمعُ الوجود وجمع العين= هو غايةَ٣ مقامات السّالكين إلى الله، بحيث يدخل في ذلك كلُّ سالكٍ؛ فاعلم أنّ هذا الجمع المذكور بمجرَّدِه لا يعطي عبوديّةً ولا إيمانًا، فضلًا عن٤ أن يكون غايةَ كلِّ نبيٍّ ووليٍّ وعارفٍ؛ فإنّ هذا الجمعَ يحصل للصِّدِّيق والزِّنديق، ولملاحدة الاتِّحاديّة منه حظٌّ كبيرٌ، وحوله يدندنون، وهو عندهم نهاية التّحقيق! فأين تحقيقُ العبوديّة والقيامُ بأعبائها واحتمالُ فرائضها وسننها وآدابها، والجهادُ لأعداء الله، والدّعوةُ إلى الله، والأمرُ بالمعروف والنّهي عن المنكر، وتحمُّلُ الأذى في الله= في هذا الجمع؟ وأين معرفة الأسماء والصِّفات فيه مفصّلًا؟ وأين معرفةُ ما يحبُّه الرَّبُّ تعالى ويكرهه فيه مفصَّلًا؟ وأين معرفةُ خير الخيرين وشرِّ الشّرّين فيه؟ وأين العلمُ بمراتب العبوديّة ومنازلها فيه؟
(١) ش، د: «تجدها».
(٢) ت: «مقام».
(٣) ت: «نهاية».
(٤) حرف «عن» لم يرد في ش، د.
فالحقُّ أنّ نهايةَ مقامات السّالكين تكميلُ مرتبة العبوديّة صِرْفًا، وهذا ممّا لا سبيل إليه لبني الطّبيعة، وإنّما خُصَّ بذلك الخليلان من بين سائر الخلق. أمّا إبراهيم الخليل ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ فإنَّ الله سبحانه شهد له بأنّه وفَّى. وأمَّا سيِّدُ ولد آدم ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ فإنّه كمَّل مرتبةَ العبوديّة، فاستحقَّ التَّقديمَ على سائر الخلائق، وكان صاحب الوسيلة والشّفاعة التي يتأخَّر عنها جميعُ الرُّسل، ويقول هو: «أنا لها»١. ولهذا ذكره الله سبحانه بالعبوديّة في أعلى مقاماته وأشرف أحواله٢، كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾[الإسراء: ١]، وقوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾[الجن: ١٩]، وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾[البقرة: ٢٣]٣، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾[الفرقان: ١]. ولهذا يقول المسيح حين يُرغَب إليه في الشّفاعة: اذهبوا إلى محمّدٍ، عبدٍ غفر الله له٤ ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر٥. فاستحقَّ تلك الرُّتبة العليا بتكميل عبوديّته لله، وبكمال مغفرة الله له.
فرجع الأمرُ إلى أنَّ غايةَ المقامات ونهايتَها: هو التَّوبةُ والعبوديَّةُ المحضةُ، لا جمعُ العين، ولا جمعُ الوجود، ولا تلاشي الاتِّصال.