فإن قلتَ: فهذا الجمعُ إنَّما يحصل لمن قام بحقيقة التّوبة والعبوديّة.
قيل: ليس كذلك، بل الجمعُ الذي يحصل لمن قام بذلك هو جمعُ الرُّسل وخلفائهم، وهو جمعُ الهمّة على الله سبحانه محبّةً وإنابةً وتوكُّلًا وخوفًا ورجاءً ومراقبةً، وجمعُ الهمّة على تنفيذ أوامر الله في الخلق دعوةً وجهادًا. فهما جمعان: جمعٌ للقلب على المعبود وحده، وجمعٌ له على محض عبوديّته.
فإن قلتَ: فأين شاهد هذين الجمعين؟
قلتُ: في القرآن كلِّه، فخذه من فاتحة الكتاب في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾[الفاتحة: ٥]. وتأمَّلْ ما في قوله: ﴿إِيَّاكَ﴾ من التّخصيص لذاته المقدَّسة بالعبادة والاستعانة، وما في قوله: ﴿نَعْبُدُ﴾ الذي هو للحال والاستقبال وللعبادة الظّاهرة والباطنة، من استيفاء أنواعِ العبادة حالًا واستقبالًا، قولًا وعملًا، ظاهرًا وباطنًا؛ و[ما في قوله: ﴿نَسْتَعِينُ﴾ من]١ الاستعانةِ على ذلك به لا بغيره. ولهذا كانت الطّريقُ كلُّها في هاتين الكلمتين، وهي معنى قولهم: «الطّريق في: إيّاك أريدُ بما تريدُ»، فجمَعَ٢ المرادَ في واحدٍ، والإرادةَ في مراده الذي يحبُّه ويرضاه. فإلى هذا دعت الرُّسلُ من أوّلهم إلى آخرهم، وإليه شخَص العاملون وتوجَّه المتوجِّهون. وكلُّ الأحوال والمقامات ــ من أوّلها إلى آخرها ــ مندرجةٌ في ضمن ذلك، ومن ثمراته وموجَباته.
(١) زيادة يقتضيها السياق، وقد زيدت في ط دار ابن خزيمة أيضًا.
(٢) ش، د: «فيجمع».
والعبوديّةُ تجمَعُ كمالَ الحبِّ١ في كمالِ الذُّلِّ وكمالِ الانقياد لمراضي المحبوب وأوامره، فهي الغاية التي ليس فوقها غايةٌ. وإذا لم يكن إلى القيام بحقيقتها ــ كما يجب ــ سبيلٌ، فالتَّوبةُ هي المعوَّل والآخيَّة. وقد عرفتَ بهذا وبغيره أنَّ الحاجةَ إليها في النِّهاية أشدُّ من الحاجة إليها في البداية، ولولا تنسُّمُ رَوْحِها لَحالَ اليأسُ بين ابن الماء والطِّين وبين الوصول إلى ربِّ العالمين. هذا لو قام بما ينبغي عليه أن يقوم به من حقوق ربِّه وسيِّده٢، فكيف والغفلةُ والتّقصيرُ والتّفريطُ والتّهاونُ وإيثارُ حظوظه في كثيرٍ من الأوقات على حقوق ربِّه، لا يكاد يتخلَّصُ منه، ولاسيَّما السّالكُ على درب الفناء والجمع، فإنَّ ربَّه يطالبه بالعبوديّة، ونفسُه تطالبه بالجمع والفناء؛ فلو حقَّقَ النّظرَ مع نفسه وحاسبها حسابًا صحيحًا لتبيَّن له أنَّ حظَّه يريد، ولذَّتَه يطلب! نعم، كلُّ أحدٍ يطلب ذلك، لكنَّ الشّأنَ في الفرق بين من صار حظُّه نفسَ٣ مرضاةِ الله ومحابِّه، أحبَّت ذلك نفسُه أو كرهته، وبين من حظُّه ما يريده من ربِّه. فالأوّل حظُّه: مرادُ ربِّه الدِّينيُّ الشّرعيُّ منه، وهذا حظُّه: مرادُه من ربِّه. وبالله التّوفيق.
فإن قيل٤: هذا البابُ مسلَّمٌ لأهل الذّوق، وأنتم تتكلَّمون بلسان العلم لا بلسان الذّوق، والذّائقُ واجدٌ، والواجدُ لا يمكنه إنكارُ موجوده، فلا يرجع إلى صاحب العلم، بل يدعوه إلى ذوق ما ذاقه، ويقول:
(١) ش، د: «المحب»، تحريف.
(٢) ر: «لسيِّده من حقوقه»، وكذا في طبعة الفقي.
(٣) كان في ش، د: «حظ نفس»، فغيِّر إلى «حظ نفسه». ولم ترد كلمة «نفس» في ر.