مدارج السالكين

والعبوديّةُ تجمَعُ كمالَ الحبِّ١ في كمالِ الذُّلِّ وكمالِ الانقياد لمراضي المحبوب وأوامره، فهي الغاية التي ليس فوقها غايةٌ. وإذا لم يكن إلى القيام بحقيقتها ــ كما يجب ــ سبيلٌ، فالتَّوبةُ هي المعوَّل والآخيَّة. وقد عرفتَ بهذا وبغيره أنَّ الحاجةَ إليها في النِّهاية أشدُّ من الحاجة إليها في البداية، ولولا تنسُّمُ رَوْحِها لَحالَ اليأسُ بين ابن الماء والطِّين وبين الوصول إلى ربِّ العالمين. هذا لو قام بما ينبغي عليه أن يقوم به من حقوق ربِّه وسيِّده٢، فكيف والغفلةُ والتّقصيرُ والتّفريطُ والتّهاونُ وإيثارُ حظوظه في كثيرٍ من الأوقات على حقوق ربِّه، لا يكاد يتخلَّصُ منه، ولاسيَّما السّالكُ على درب الفناء والجمع، فإنَّ ربَّه يطالبه بالعبوديّة، ونفسُه تطالبه بالجمع والفناء؛ فلو حقَّقَ النّظرَ مع نفسه وحاسبها حسابًا صحيحًا لتبيَّن له أنَّ حظَّه يريد، ولذَّتَه يطلب! نعم، كلُّ أحدٍ يطلب ذلك، لكنَّ الشّأنَ في الفرق بين من صار حظُّه نفسَ٣ مرضاةِ الله ومحابِّه، أحبَّت ذلك نفسُه أو كرهته، وبين من حظُّه ما يريده من ربِّه. فالأوّل حظُّه: مرادُ ربِّه الدِّينيُّ الشّرعيُّ منه، وهذا حظُّه: مرادُه من ربِّه. وبالله التّوفيق.

فإن قيل٤: هذا البابُ مسلَّمٌ لأهل الذّوق، وأنتم تتكلَّمون بلسان العلم لا بلسان الذّوق، والذّائقُ واجدٌ، والواجدُ لا يمكنه إنكارُ موجوده، فلا يرجع إلى صاحب العلم، بل يدعوه إلى ذوق ما ذاقه، ويقول:

  1. (١) ش، د: «المحب»، تحريف.
  2. (٢) ر: «لسيِّده من حقوقه»، وكذا في طبعة الفقي.
  3. (٣) كان في ش، د: «حظ نفس»، فغيِّر إلى «حظ نفسه». ولم ترد كلمة «نفس» في ر.
  4. (٤) ت: «قلت».
435
أقول للَّائمِ المُهْدِي ملامتَهذُقِ الهوى وإن اسطعتَ الملامَ لُمِ١

قيل: لم ينصف من أحال على الذّوق، فإنّها حوالةٌ على محكومٍ عليه لا على حاكمٍ، وعلى مشهودٍ عليه لا على شاهدٍ، وعلى موزونٍ لا على ميزانٍ!

ويا سبحان الله! هل يدلُّ مجرَّدُ ذوق الشَّيء على حكمه وأنّه حقٌّ أو باطلٌ؟ وهل جعل الله ورسولُه الأذواقَ والمواجيدَ حججًا وأدلّةً يميَّز بها بين ما يحبُّه ويرضاه، وبين ما يكرهه ويسخطه٢؟ ولو كان ذلك٣ لاحتجَّ كلُّ مُبطلٍ على باطله بالذّوق والوجد، كما تجده في كثيرٍ من أهل الباطل والإلحاد. فهؤلاء الاتِّحاديّةُ ــ وهم أكفَرُ الخلق ــ يحتجُّون بالذّوق والوجد على كفرهم وإلحادهم حتّى يقول قائلهم:

يا صاحبي أنت تنهاني وتأمرنيوالوجدُ أصدقُ نهّاءٍ وأمّارِ
فإن أُطِعْكَ وأَعْصِ الوجدَ رُحتُ عمًىعن اليقين إلى أوهام أخبارِ
وعينُ ما أنت تدعوني إليه إذاحقّقتَه تَرَهُ المنهيَّ يا جارِ٤

ويقول هذا القائل: ثبت عندنا بالكشف والذّوق ما يناقض صريحَ

  1. (١) البيت للشريف الرَّضي من قصيدة في «ديوانه» (٢/ ٢٧٤ - دار بيروت). وقد أنشده المؤلف في «الصواعق» أيضًا، انظر «مختصره» (ص ٦٠٤).
  2. (٢) ش، د: «ويسخط».
  3. (٣) بعده في ر زيادة: «كذلك».
  4. (٤) ت: «اليمنى باخبار»، تحريف. والأبيات للتلمساني، أنشدها له شيخ الإسلام في «الجواب الصحيح» (٤/ ٣٩٨) و«بيان تلبيس الجهمية» (٥/ ٩٠). وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢/ ٢٥٩، ٤٧٣).
436

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي