مدارج السالكين
أقول للَّائمِ المُهْدِي ملامتَهذُقِ الهوى وإن اسطعتَ الملامَ لُمِ١

قيل: لم ينصف من أحال على الذّوق، فإنّها حوالةٌ على محكومٍ عليه لا على حاكمٍ، وعلى مشهودٍ عليه لا على شاهدٍ، وعلى موزونٍ لا على ميزانٍ!

ويا سبحان الله! هل يدلُّ مجرَّدُ ذوق الشَّيء على حكمه وأنّه حقٌّ أو باطلٌ؟ وهل جعل الله ورسولُه الأذواقَ والمواجيدَ حججًا وأدلّةً يميَّز بها بين ما يحبُّه ويرضاه، وبين ما يكرهه ويسخطه٢؟ ولو كان ذلك٣ لاحتجَّ كلُّ مُبطلٍ على باطله بالذّوق والوجد، كما تجده في كثيرٍ من أهل الباطل والإلحاد. فهؤلاء الاتِّحاديّةُ ــ وهم أكفَرُ الخلق ــ يحتجُّون بالذّوق والوجد على كفرهم وإلحادهم حتّى يقول قائلهم:

يا صاحبي أنت تنهاني وتأمرنيوالوجدُ أصدقُ نهّاءٍ وأمّارِ
فإن أُطِعْكَ وأَعْصِ الوجدَ رُحتُ عمًىعن اليقين إلى أوهام أخبارِ
وعينُ ما أنت تدعوني إليه إذاحقّقتَه تَرَهُ المنهيَّ يا جارِ٤

ويقول هذا القائل: ثبت عندنا بالكشف والذّوق ما يناقض صريحَ

  1. (١) البيت للشريف الرَّضي من قصيدة في «ديوانه» (٢/ ٢٧٤ - دار بيروت). وقد أنشده المؤلف في «الصواعق» أيضًا، انظر «مختصره» (ص ٦٠٤).
  2. (٢) ش، د: «ويسخط».
  3. (٣) بعده في ر زيادة: «كذلك».
  4. (٤) ت: «اليمنى باخبار»، تحريف. والأبيات للتلمساني، أنشدها له شيخ الإسلام في «الجواب الصحيح» (٤/ ٣٩٨) و«بيان تلبيس الجهمية» (٥/ ٩٠). وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢/ ٢٥٩، ٤٧٣).
436

العقل١. وكلُّ معتقدٍ لأمرٍ جازمٍ به مستحسنٍ له يذوق طعمه. فالملحدُ يذوق طعمَ الإلحاد والانحلال من الدِّين، والرّافضيُّ يذوق طعمَ الرّفض ومعاداةِ خيار الخلق، والقدريُّ يذوق طعمَ إنكار القدر ويعجَب ممّن يثبته، والجبريُّ عكسه. والمشركُ يذوق طعم الشِّرك، حتّى إنّه ليستبشر إذا ذُكِر إلهُه ومعبودُه من دون الله، ويشمئزُّ قلبه إذا ذُكِرَ الله وحده.

وهذا الاحتجاجُ بالذَّوق قد سلكه أربابُ السَّماع المحدَث الشّيطانيِّ الذي هو محضُ شهوة النّفس وهواها، واحتجُّوا على إباحة هذا السَّماع بما فيه من الذّوق والوجد واللّذّة٢. وأنت تجد النّصرانيَّ له في تثليثه ذوقٌ ووجدٌ وحنينٌ، بحيث لو عُرِضَ عليه أشدُّ العذاب لاختاره، دون أن يفارق تثليثه، لما له فيه من الذَّوق!

وحينئذٍ، فيقال: هَبْ أنَّ الأمرَ كما تقول، وأنَّ المتكلِّمَ المنكِرَ٣ لم يتكلَّم بلسان الذَّوق، فهل يصحُّ أن يكون ذوقُ الذّائق لذلك حجّةً صحيحةً نافعةً له بينه وبين الله؟ وفرضنا أنّ هذا المنكِرَ قال: نعم، أنا محجوبٌ عن الوصول إلى ما أُنكِره٤، غيرُ ذائقٍ له، وأنت ذائقٌ واصلٌ، فما علامةُ صحَّة ما ذقتَه ووصلتَ إليه؟ وما الدَّليل عليه؟ وأنا لا أُنكِرُ ذوقَك له ووجدَك به،

  1. (١) عزاه إليه شيخ الإسلام في «بيان تلبيس الجهمية» (٢/ ٤١ - ٤٢)، و«الجواب الصحيح» (٣/ ١٨٦ - ١٨٧) وفيه: «صريح النقل». وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢/ ٥٨)، (١١/ ٤٣).
  2. (٢) في ت بياض مكانَ «الذوق والوجد واللذّة».
  3. (٣) ت: «المتمكن»، تحريف.
  4. (٤) ر: «أنكرته».
437

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي