قال صاحب «المنازل»١: (باب التوحيد: قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾[آل عمران: ١٨]. التوحيد: تنزيه الله ﷿ عن الحدَث٢. وإنّما نطق العلماءُ بما نطقوا به وأشار المحقِّقون بما أشاروا به في هذه الطّريق لقصد تصحيح التّوحيد. وما سواه من حالٍ أو مقامٍ، فكلُّه مصحوبٌ بالعلل).
قلت: التّوحيدُ أوّل دعوة الرُّسل، وأوّلُ منازل الطّريق، وأوّلُ مقامٍ يقوم فيه السّالكُ إلى الله تعالى. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾[الأعراف: ٥٩]. وقال هودٌ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾[الأعراف: ٦٥]. وقال صالحٌ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾[الأعراف: ٧٣]. وقال شعيبٌ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾[الأعراف: ٨٥]٣. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾[النحل: ٣٦].
فالتّوحيدُ مفتاحُ دعوة الرُّسل. ولهذا قال النّبيُّ ﷺ لرسوله معاذ وقد بعثه إلى اليمن: «إنّك تأتي قومًا أهلَ كتابٍ، فليكن أوّلَ ما تدعوهم إليه:
(١) «منازل السائرين» (ص ١١٠).
(٢) ش، د: «تنزيه الله ﷿ عن الشريك وتقديسه عن الحدث»، وكذا في طبعة الصميعي. وفي «المنازل» كما أثبت من ت، ر وهو الصواب. ولا شك أن زيادة «عن الشريك وتقديسه» أقحمها بعض القراء أو النساخ.
(٣) سقطت بعدها صفحتان من ت (٢٩٠ - ٢٩١) في التصوير فيما يظهر.
عبادةُ الله وحده. فإذا شهدوا أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدًا رسول الله، فأخبِرْهم أنَّ الله قد فرض عليهم خمسَ صلواتٍ في اليوم واللّيلة»١، وذكَر الحديث. وقال ﷺ: «أُمِرْتُ أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدًا رسول الله»٢.
ولهذا كان الصحيح أنَّ أوّلَ واجبٍ يجب على المكلَّف: شهادة أن لا إله إلّا الله، لا النَّظرُ، ولا القصدُ إلى النظر، ولا الشَّكُّ، كما هي أقوالٌ لأرباب الكلام المذموم٣.
فالتَّوحيد: أوّلُ ما يدخل به في الإسلام وآخِرُ ما يخرج به من الدُّنيا، كما قال النّبيُّ ﷺ: «من كان آخر كلامه: لا إله إلّا الله؛ دخل الجنّة»٤. فهو أوّل واجبٍ وآخر واجبٍ. فالتّوحيد: أوّل الأمر وآخره.
قوله: (التوحيد: تنزيه الله عن الحدث). هذا الحدُّ لا يدلُّ على التّوحيد الذي بعث الله به رسلَه وأنزل به كتبَه، وينجو به العبدُ من النّار ويدخل به الجنّة ويخرج من الشِّرك، فإنّه مشتركٌ بين جميع الفِرَق. وكلُّ من أقرَّ بوجود الخالق سبحانه أقرَّ به، فعبَّادُ الأصنام والمجوسُ والنّصارى واليهودُ والمشركون ــ على اختلاف نِحَلِهم ــ كلُّهم ينزِّهون الله عن الحدَث، ويُثبتون
(١) تقدَّم تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري (٢٥) ومسلم (٢٢) من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) انظر ما تقدَّم في منزلة العزم في المجلد الأول (ص ٢٠٧).
(٤) أخرجه أحمد (٢٢٠٣٤، ٢٢١٢٧) وأبو داود (٣١١٦) وغيرهما من حديث معاذ بن جبل. وفي إسناده صالح بن أبي عَريب وهو مجهول. ويُغني عنه في الاستشهاد هنا حديثُ أبي سعيد الخدري عند مسلم (٩١٦) بلفظ: «لقِّنوا موتاكم: لا إله إلا الله».