مدارج السالكين

عبادةُ الله وحده. فإذا شهدوا أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدًا رسول الله، فأخبِرْهم أنَّ الله قد فرض عليهم خمسَ صلواتٍ في اليوم واللّيلة»١، وذكَر الحديث. وقال ﷺ: «أُمِرْتُ أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدًا رسول الله»٢.

ولهذا كان الصحيح أنَّ أوّلَ واجبٍ يجب على المكلَّف: شهادة أن لا إله إلّا الله، لا النَّظرُ، ولا القصدُ إلى النظر، ولا الشَّكُّ، كما هي أقوالٌ لأرباب الكلام المذموم٣.

فالتَّوحيد: أوّلُ ما يدخل به في الإسلام وآخِرُ ما يخرج به من الدُّنيا، كما قال النّبيُّ ﷺ: «من كان آخر كلامه: لا إله إلّا الله؛ دخل الجنّة»٤. فهو أوّل واجبٍ وآخر واجبٍ. فالتّوحيد: أوّل الأمر وآخره.

قوله: (التوحيد: تنزيه الله عن الحدث). هذا الحدُّ لا يدلُّ على التّوحيد الذي بعث الله به رسلَه وأنزل به كتبَه، وينجو به العبدُ من النّار ويدخل به الجنّة ويخرج من الشِّرك، فإنّه مشتركٌ بين جميع الفِرَق. وكلُّ من أقرَّ بوجود الخالق سبحانه أقرَّ به، فعبَّادُ الأصنام والمجوسُ والنّصارى واليهودُ والمشركون ــ على اختلاف نِحَلِهم ــ كلُّهم ينزِّهون الله عن الحدَث، ويُثبتون

  1. (١) تقدَّم تخريجه.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٢٥) ومسلم (٢٢) من حديث ابن عمر ﵄.
  3. (٣) انظر ما تقدَّم في منزلة العزم في المجلد الأول (ص ٢٠٧).
  4. (٤) أخرجه أحمد (٢٢٠٣٤، ٢٢١٢٧) وأبو داود (٣١١٦) وغيرهما من حديث معاذ بن جبل. وفي إسناده صالح بن أبي عَريب وهو مجهول. ويُغني عنه في الاستشهاد هنا حديثُ أبي سعيد الخدري عند مسلم (٩١٦) بلفظ: «لقِّنوا موتاكم: لا إله إلا الله».
440

قِدَمَه. حتّى أعظمُ الطّوائف على الإطلاق شركًا وكفرًا وإلحادًا ــ وهم طائفة الاتِّحاديّة ــ يقولون: هو الوجود المطلق، وهو قديمٌ لم يزل، وهو منزَّهٌ عن الحدَث، ولم تزل المحدَثاتُ تكتسي وجوده: تلبسه وتخلعه.

والفلاسفةُ الذين هم أبعدُ الخلق عن الشّرائع وما جاءت به الأنبياء يُثبتون واجبَ الوجود قديمًا منزَّهًا عن الحدَث.

والمشركون عبّادُ الأصنام يعبدون معه آلهةً أخرى ويُثبتونه قديمًا منزَّهًا عن الحدث.

فتنزيهُ الله عن الحدَث حقٌّ، لكن لا يعطي إسلامًا ولا إيمانًا، ولا يُدْخِل في شرائع الأنبياء، ولا يُخْرِج من نِحَل أهل الكفر ومللهم البتّة. وهذا القدر لا يخفى على شيخ الإسلام، ومحلُّه من العلم والمعرفة محلُّه.

ومع هذا فقد سئل سيِّدُ الطّائفة الجنيدُ عن التوحيد، فقال: هو إفراد القديم عن المحدث١. والجنيدُ قدَّس الله روحَه أشار إلى أنّه لا تصحُّ دعوى التّوحيد ولا مقامه ولا حاله ولا يكون العبدُ موحِّدًا إلّا إذا أفرد القديمَ من المحدَث، فإنّ كثيرًا ممّن ادّعى التّوحيدَ لم يُفرده سبحانه من المحدثات. فإنَّ من نفى مباينتَه لخلقه فوق سماواته على عرشه، وجعَلَه في كلِّ مكانٍ بذاته، لم يُفرده عن المحدَث، بل جعله حالًّا في المحدَثات مخالطًا لها موجودًا فيها بذاته. وصوفيّةُ هؤلاء وعبّادُهم هم الحلوليّة الذين يقولون: إنّ

  1. (١) «الرسالة القشيرية» (ص ٨٤). وانظر: «الاستقامة» (١/ ٩٢) و«الرد على الشاذلي» (ص ١٥٨، ١٧٨) و«منهاج السنة» (٥/ ٣٣٩) و«مجموع الفتاوى» (٢/ ٢٩٩ ومواضع أخرى).
441

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي