مدارج السالكين

قِدَمَه. حتّى أعظمُ الطّوائف على الإطلاق شركًا وكفرًا وإلحادًا ــ وهم طائفة الاتِّحاديّة ــ يقولون: هو الوجود المطلق، وهو قديمٌ لم يزل، وهو منزَّهٌ عن الحدَث، ولم تزل المحدَثاتُ تكتسي وجوده: تلبسه وتخلعه.

والفلاسفةُ الذين هم أبعدُ الخلق عن الشّرائع وما جاءت به الأنبياء يُثبتون واجبَ الوجود قديمًا منزَّهًا عن الحدَث.

والمشركون عبّادُ الأصنام يعبدون معه آلهةً أخرى ويُثبتونه قديمًا منزَّهًا عن الحدث.

فتنزيهُ الله عن الحدَث حقٌّ، لكن لا يعطي إسلامًا ولا إيمانًا، ولا يُدْخِل في شرائع الأنبياء، ولا يُخْرِج من نِحَل أهل الكفر ومللهم البتّة. وهذا القدر لا يخفى على شيخ الإسلام، ومحلُّه من العلم والمعرفة محلُّه.

ومع هذا فقد سئل سيِّدُ الطّائفة الجنيدُ عن التوحيد، فقال: هو إفراد القديم عن المحدث١. والجنيدُ قدَّس الله روحَه أشار إلى أنّه لا تصحُّ دعوى التّوحيد ولا مقامه ولا حاله ولا يكون العبدُ موحِّدًا إلّا إذا أفرد القديمَ من المحدَث، فإنّ كثيرًا ممّن ادّعى التّوحيدَ لم يُفرده سبحانه من المحدثات. فإنَّ من نفى مباينتَه لخلقه فوق سماواته على عرشه، وجعَلَه في كلِّ مكانٍ بذاته، لم يُفرده عن المحدَث، بل جعله حالًّا في المحدَثات مخالطًا لها موجودًا فيها بذاته. وصوفيّةُ هؤلاء وعبّادُهم هم الحلوليّة الذين يقولون: إنّ

  1. (١) «الرسالة القشيرية» (ص ٨٤). وانظر: «الاستقامة» (١/ ٩٢) و«الرد على الشاذلي» (ص ١٥٨، ١٧٨) و«منهاج السنة» (٥/ ٣٣٩) و«مجموع الفتاوى» (٢/ ٢٩٩ ومواضع أخرى).
441

الله يحلُّ بذاته في المخلوقات. وهم طائفتان: طائفةٌ تعُمُّ الموجوداتِ بحلوله فيها، وطائفةٌ تخصُّ به بعضَها دون بعضٍ.

قال الأشعريُّ في كتاب «المقالات»١: «هذه حكايةُ قول قومٍ من النُّسّاك: وفي الأمّة قومٌ ينتحلون النُّسكَ، يزعمون أنّه جائزٌ على الله تعالى الحلولُ في الأجسام. وإذا رأوا شيئًا يستحسنونه قالوا: لا ندري، لعلّه ربُّنا!».

قلت: وهذه الفرقة طائفتان. إحداهما: تزعم أنّه سبحانه يحلُّ في الصُّورة الجميلة المستحسنة. والثّانية: تزعم أنّه سبحانه يحلُّ في الكمَّل من النّاس، وهم الذين تجرَّدت نفوسهم عن الشّهوات، واتَّصفوا بالفضائل، وتنزَّهوا عن الرّذائل. والنَّصارى تزعم أنّه حلَّ في بدن المسيح وتدرَّع به. والاتِّحاديّة تزعم أنّه وجودٌ مطلقٌ اكتسته الماهيَّاتُ، فهو عينُ وجودها.

فكلُّ هؤلاء لم يُفردوا القديمَ عن المحدَث.

فصل

وهذا الإفراد الذي أشار إليه الجنيد نوعان:

أحدهما: إفرادٌ في الاعتقاد والخبر. وذلك نوعان أيضًا. أحدهما: إثباتُ مباينة الرَّبِّ تعالى للمخلوقات، وعلوِّه فوق عرشه من فوق سبع سماواتٍ٢، كما نطقت به الكتب الإلهيّة من أوّلها إلى آخرها، وأخبر به٣ جميعُ الرُّسل من أوّلهم إلى آخرهم. والثّاني: إفرادُه سبحانه بصفات كماله،

  1. (١) «مقالات الإسلاميين» (١/ ٢٨٨).
  2. (٢) العبارة «وعلوِّه ... سماوات» شطبها بعضهم في ش.
  3. (٣) ش: «وأخبرته». وفي ر: «وأخبرت به».
442

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي