مدارج السالكين

وأفعاله، وفي إرادته وحده ومحبّته وخوفه ورجائه، والتّوكُّل عليه، والاستعانة به، والحلف به، والنّذر له، والتّوبة إليه، والسُّجود له، والتّعظيم والإجلال وتوابع ذلك.

ولذلك١ كانت عبارة الجنيد عن التَّوحيد عبارةً سادّةً مسدَّدةً. فشيخُ الإسلام إن أراد ما أراده أبو القاسم، فلا إشكال. وإن أراد ينزِّهُ الله سبحانه عن قيام الأفعال الاختياريّة به ــ التي يسمِّيها نفاة أفعاله: حلولَ الحوادث، ويجعلون تنزيهَ الرّبِّ تعالى عنها من كمال التّوحيد، بل هو أجلُّ التَّوحيد عندهم ــ فكأنّه قال: التَّوحيدُ تنزيه الرَّبِّ عن حلول الحوادث به. وحقيقة ذلك: أنّ التَّوحيدَ تعطيلُه عن أفعاله، ونفيُها بالكلِّيّة، وأنّه لا يفعل شيئًا البتّة! فإنَّ إثباتَ فاعلٍ من غير فعلٍ يقوم به البتّةَ محالٌ في العقول والفِطَر ولغات الأمم، ولا يثبُت كونُه سبحانه ربًّا للعالم مع نفي ذلك أبدًا، فإنَّ قيامَ الأفعال به هو معنى الرُّبوبيّة وحقيقتها، ونافي هذه المسألة نافٍ لأصل الرُّبوبيّة، جاحدٌ لها رأسًا.

وإن أراد تنزيهَ الرَّبِّ عن سِمات المحدَثين وخصائص المخلوقين، فهو حقٌّ، ولكنَّه تقصيرٌ في التَّعبير عن التَّوحيد، فإنَّ إثباتَ صفات الكمال أصلُ التّوحيد، ومن تمام هذا الإثبات: تنزيهُه سبحانه عن سمات المحدَثين وخصائص المخلوقين. وقد استدرك عليه الاتِّحاديُّ في هذا الحدِّ٢، وقال٣: «شهودُ التّوحيد يرفع الحدوثَ أصلًا ورأسًا»، فلا يكون هناك وجودان: قديمٌ ومحدثٌ؛ فالتَّوحيد: هو أن لا يرى مع الوجود المطلق سواه.

  1. (١) ش، د: «فلذلك».
  2. (٢) انتهى هنا السقط في مصورة ت.
  3. (٣) «شرح التلمساني» (٢/ ٦٠١).
444

فصل

وقد تقسَّمت الطّوائفُ التّوحيدَ١، وسمّى كلُّ طائفةٍ باطلَهم توحيدًا.

فأتباعُ إرَسْطو وابن سينا والطُّوسيِّ، عندهم التَّوحيدُ: إثباتُ وجودٍ مجرَّدٍ عن الماهيّة والصِّفة، بل هو وجودٌ مطلقٌ، لا يعرض لشيءٍ من الماهيَّات، ولا يقوم به وصفٌ، ولا يتخصَّص بنعتٍ، بل صفاتُه كلُّها سلوبٌ وإضافاتٌ! فتوحيدُ هؤلاء غايةُ الإلحاد والجحد والكفر.

وفروعُ هذا التّوحيد: إنكارُ ذات الرّبِّ، والقولُ بقِدَم الأفلاك، وأنّ الله لا يبعث من في القبور، وأنَّ النُّبوّةَ مكتسَبةٌ، وأنّها حرفةٌ من الحرف كالولاية والسِّياسة، وأنّ الله لا يعلم عددَ الأفلاك ولا الكواكب، ولا يعلم شيئًا من الموجودات المعيَّنة البتّة، وأنّه لا يقدر على قلب شيءٍ من أعيان العالم ولا شقِّ الأفلاك ولا خَرْقها، وأنّه: لا حلال ولا حرام٢، ولا أمر ولا نهي، ولا جنّة ولا نار. فهذا توحيد هؤلاء!

وأمّا الاتِّحاديّة، فالتَّوحيدُ عندهم: «أنَّ الحقَّ المنزَّه هو عينُ الخلق المشبَّه»٣، وأنّه سبحانه عينُ وجود كلِّ موجودٍ وحقيقتُه وماهيَّتُه، وأنّه

  1. (١) زيد قبله «في» بحرف صغير في ش، د.
  2. (٢) ت: «لا حرام ولا حلال».
  3. (٣) هذه الجملة من «فصوص الحكم» لابن عربي وقد وردت في «فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية» (ص ٧٨). وقد نقلها المؤلف في «الداء والدواء» (ص ٢٩٩ - ٣٠٠) وغيره، وشيخ الإسلام في «الجواب الصحيح» (٤/ ٣٠٠) و«جامع المسائل» (٧/ ٢٤٧) وغيرهما.
445

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي