وقد تقسَّمت الطّوائفُ التّوحيدَ١، وسمّى كلُّ طائفةٍ باطلَهم توحيدًا.
فأتباعُ إرَسْطو وابن سينا والطُّوسيِّ، عندهم التَّوحيدُ: إثباتُ وجودٍ مجرَّدٍ عن الماهيّة والصِّفة، بل هو وجودٌ مطلقٌ، لا يعرض لشيءٍ من الماهيَّات، ولا يقوم به وصفٌ، ولا يتخصَّص بنعتٍ، بل صفاتُه كلُّها سلوبٌ وإضافاتٌ! فتوحيدُ هؤلاء غايةُ الإلحاد والجحد والكفر.
وفروعُ هذا التّوحيد: إنكارُ ذات الرّبِّ، والقولُ بقِدَم الأفلاك، وأنّ الله لا يبعث من في القبور، وأنَّ النُّبوّةَ مكتسَبةٌ، وأنّها حرفةٌ من الحرف كالولاية والسِّياسة، وأنّ الله لا يعلم عددَ الأفلاك ولا الكواكب، ولا يعلم شيئًا من الموجودات المعيَّنة البتّة، وأنّه لا يقدر على قلب شيءٍ من أعيان العالم ولا شقِّ الأفلاك ولا خَرْقها، وأنّه: لا حلال ولا حرام٢، ولا أمر ولا نهي، ولا جنّة ولا نار. فهذا توحيد هؤلاء!
وأمّا الاتِّحاديّة، فالتَّوحيدُ عندهم: «أنَّ الحقَّ المنزَّه هو عينُ الخلق المشبَّه»٣، وأنّه سبحانه عينُ وجود كلِّ موجودٍ وحقيقتُه وماهيَّتُه، وأنّه
(١) زيد قبله «في» بحرف صغير في ش، د.
(٢) ت: «لا حرام ولا حلال».
(٣) هذه الجملة من «فصوص الحكم» لابن عربي وقد وردت في «فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية» (ص ٧٨). وقد نقلها المؤلف في «الداء والدواء» (ص ٢٩٩ - ٣٠٠) وغيره، وشيخ الإسلام في «الجواب الصحيح» (٤/ ٣٠٠) و«جامع المسائل» (٧/ ٢٤٧) وغيرهما.
إنِّيَّةُ١ كلِّ شيءٍ.
وفي كلِّ شيء له آيةٌتدلُّ على أنه عينُه٢
وهذا عند محقِّقيهم من خطأ التّعبير، بل هو نفسُ الآية، ونفسُ الدّليل٣، ونفسُ المستدِلِّ، ونفسُ المستدَلِّ عليه؛ فالتّعدُّدُ بوجوهٍ واعتباراتٍ وهميّةٍ، لا بالحقيقة والوجود. فهو عندهم عينُ النّاكح وعينُ المنكوح، وعينُ الذّابح وعينُ المذبوح٤، وعينُ الآكل وعين المأكول. وهذا عندهم هو السِّرُّ الذي رمزت إليه هَرامسُ الدُّهور الأوّليّة٥، ورامت
(١) ر: «آية»، وكذا في المطبوع، وهو تصحيف.
(٢) قال أبو العتاهية من قصيدة في «ديوانه» (ص ١٠٤): وفي كلِّ شيء له آيةٌ ... تدلُّ على أنه واحدُ ذكر ابن عربي في «الفتوحات المكية» (٤/ ٢٢٣) بيت أبي العتاهية على أنه قول «صاحب العقل»، أما صاحب التجلِّي فهو «ينشد قولنا في ذلك: ...» وأورد البيت بقافية «عينُه». فالبيت على هذا الوجه لابن عربي. وكذا في «لطائف الأعلام» (ص ٤٤٩). وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢/ ٨١، ٤٧٣). ولم يفطن محققا ط دار ابن خزيمة وط الصميعي لكونه شعرًا.
(٣) بعده في ت زيادة: «ونفس المدلول».
(٤) «وعين المذبوح» ساقط من ش، د.
(٥) يعني: حكماءها الأولين. وقد ذكر أبو معشر البلخي أن الهرامس جماعة شتى، منهم الهرمس الذي كان قبل الطوفان وكان بعد الطوفان منهم عدَّة، والمقدَّم منهم اثنان: أحدهما البابلي ــ وهو أجلُّ علماء الكلدانيين ــ والآخر تلميذ فيثاغورس الحكيم من سكان مصر. انظر: «طبقات الأمم» (ص ١٨ - ١٩). وانظر: «معجم الفلاسفة» (ص ٧٠٢) و«المعجم الفلسفي» (٢/ ٥١٩).