مدارج السالكين

إنِّيَّةُ١ كلِّ شيءٍ.

وفي كلِّ شيء له آيةٌتدلُّ على أنه عينُه٢

وهذا عند محقِّقيهم من خطأ التّعبير، بل هو نفسُ الآية، ونفسُ الدّليل٣، ونفسُ المستدِلِّ، ونفسُ المستدَلِّ عليه؛ فالتّعدُّدُ بوجوهٍ واعتباراتٍ وهميّةٍ، لا بالحقيقة والوجود. فهو عندهم عينُ النّاكح وعينُ المنكوح، وعينُ الذّابح وعينُ المذبوح٤، وعينُ الآكل وعين المأكول. وهذا عندهم هو السِّرُّ الذي رمزت إليه هَرامسُ الدُّهور الأوّليّة٥، ورامت

  1. (١) ر: «آية»، وكذا في المطبوع، وهو تصحيف.
  2. (٢) قال أبو العتاهية من قصيدة في «ديوانه» (ص ١٠٤):
    وفي كلِّ شيء له آيةٌ ... تدلُّ على أنه واحدُ
    ذكر ابن عربي في «الفتوحات المكية» (٤/ ٢٢٣) بيت أبي العتاهية على أنه قول «صاحب العقل»، أما صاحب التجلِّي فهو «ينشد قولنا في ذلك: ...» وأورد البيت بقافية «عينُه». فالبيت على هذا الوجه لابن عربي. وكذا في «لطائف الأعلام» (ص ٤٤٩). وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢/ ٨١، ٤٧٣). ولم يفطن محققا ط دار ابن خزيمة وط الصميعي لكونه شعرًا.
  3. (٣) بعده في ت زيادة: «ونفس المدلول».
  4. (٤) «وعين المذبوح» ساقط من ش، د.
  5. (٥) يعني: حكماءها الأولين. وقد ذكر أبو معشر البلخي أن الهرامس جماعة شتى، منهم الهرمس الذي كان قبل الطوفان وكان بعد الطوفان منهم عدَّة، والمقدَّم منهم اثنان: أحدهما البابلي ــ وهو أجلُّ علماء الكلدانيين ــ والآخر تلميذ فيثاغورس الحكيم من سكان مصر. انظر: «طبقات الأمم» (ص ١٨ - ١٩). وانظر: «معجم الفلاسفة» (ص ٧٠٢) و«المعجم الفلسفي» (٢/ ٥١٩).
446

إفادتَه الهدايةُ النَّبويّةُ، كما قاله محقِّقهم وعارفهم ابنُ سبعين١.

ومن فروع هذا التّوحيد: أنَّ فرعون وقومه مؤمنون كاملو الإيمان، عارفون بالله على الحقيقة. ومن فروعه: أنَّ عُبَّاد الأصنام على الحقِّ والصَّواب، وأنّهم إنّما عبَدوا عينَ الله سبحانه لا غيره. ومن فروعه: أنَّه لا فرقَ في التَّحريم والتَّحليل بين الأمِّ والأخت والأجنبيَّة. ولا فرقَ بين الماء والخمر، والزِّنى والنِّكاح. الكلُّ من عينٍ واحدةٍ، لا، بل هو العين الواحدة؛ وإنّما المحجوبون عن هذا السِّرِّ قالوا: هذا حرامٌ وهذا حلالٌ. نعم٢، هو حرامٌ عليكم، لأنّكم في حجابٍ عن حقيقة هذا التَّوحيد. ومن فروعه: أنَّ الأنبياءَ ضيَّقوا الطَّريقَ على النّاس، وبعَّدوا عليهم المقصود، والأمرُ وراء ما جاؤوا به، ودعَوا إليه.

وأمّا الجهميَّةُ، فالتَّوحيدُ عندهم: إنكارُ علوِّ الله على خلقه بذاته واستوائه على عرشه، وإنكارُ سمعه وبصره وقوّته وحياته وكلامه وصفاته وأفعاله ومحبّته ومحبَّةِ العباد له. فالتّوحيدُ عندهم هو المبالغةُ في إنكار التَّوحيد الذي بعث الله به رسلَه وأنزل به كتبَه.

  1. (١) في خطبة كتابه «بد العارف» (ص ٢٩).
  2. (٢) قبله في ت: «قلت» بخط بارز كأنه تعقيب المؤلف على ما سبق! وفي ر: «قلنا»، وهو جزء من كلام التلمساني. في «مجموع الفتاوى» (١٣/ ١٩٧): «حدَّثني الثقةُ أنه قال للتلمساني: فعلى قولكم لا فرق بين امرأة الرجل وأمِّه وابنته. قال: نعم، الجميع عندنا سواء لكن هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام، فقلنا: حرام عليكم». وفيه (٢/ ٤٧٢): حكى عنه الثقات ذلك. وقد ذكر شيخ الإسلام كلام التلمساني في مواضع كثيرة من كتبه. وانظر: «روضة المحبين» للمؤلف (ص ١٩٢).
447

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي