مدارج السالكين

إفادتَه الهدايةُ النَّبويّةُ، كما قاله محقِّقهم وعارفهم ابنُ سبعين١.

ومن فروع هذا التّوحيد: أنَّ فرعون وقومه مؤمنون كاملو الإيمان، عارفون بالله على الحقيقة. ومن فروعه: أنَّ عُبَّاد الأصنام على الحقِّ والصَّواب، وأنّهم إنّما عبَدوا عينَ الله سبحانه لا غيره. ومن فروعه: أنَّه لا فرقَ في التَّحريم والتَّحليل بين الأمِّ والأخت والأجنبيَّة. ولا فرقَ بين الماء والخمر، والزِّنى والنِّكاح. الكلُّ من عينٍ واحدةٍ، لا، بل هو العين الواحدة؛ وإنّما المحجوبون عن هذا السِّرِّ قالوا: هذا حرامٌ وهذا حلالٌ. نعم٢، هو حرامٌ عليكم، لأنّكم في حجابٍ عن حقيقة هذا التَّوحيد. ومن فروعه: أنَّ الأنبياءَ ضيَّقوا الطَّريقَ على النّاس، وبعَّدوا عليهم المقصود، والأمرُ وراء ما جاؤوا به، ودعَوا إليه.

وأمّا الجهميَّةُ، فالتَّوحيدُ عندهم: إنكارُ علوِّ الله على خلقه بذاته واستوائه على عرشه، وإنكارُ سمعه وبصره وقوّته وحياته وكلامه وصفاته وأفعاله ومحبّته ومحبَّةِ العباد له. فالتّوحيدُ عندهم هو المبالغةُ في إنكار التَّوحيد الذي بعث الله به رسلَه وأنزل به كتبَه.

  1. (١) في خطبة كتابه «بد العارف» (ص ٢٩).
  2. (٢) قبله في ت: «قلت» بخط بارز كأنه تعقيب المؤلف على ما سبق! وفي ر: «قلنا»، وهو جزء من كلام التلمساني. في «مجموع الفتاوى» (١٣/ ١٩٧): «حدَّثني الثقةُ أنه قال للتلمساني: فعلى قولكم لا فرق بين امرأة الرجل وأمِّه وابنته. قال: نعم، الجميع عندنا سواء لكن هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام، فقلنا: حرام عليكم». وفيه (٢/ ٤٧٢): حكى عنه الثقات ذلك. وقد ذكر شيخ الإسلام كلام التلمساني في مواضع كثيرة من كتبه. وانظر: «روضة المحبين» للمؤلف (ص ١٩٢).
447

وأمّا القدريَّةُ، فالتَّوحيدُ عندهم: إنكارُ قدَرِ الله وعمومِ مشيئته للكائنات وقدرتِه عليها. ومتأخِّروهم ضمُّوا إلى ذلك توحيدَ الجهميَّة، فصار حقيقةُ التَّوحيد عندهم: إنكارَ القدر، وإنكارَ حقائق الأسماء الحسنى والصِّفات العلى. وربّما سمَّوا إنكارَ القدر والكفرَ بقضاء الرّبِّ وقدره: عدلًا، وقالوا: نحن أهل العدل والتّوحيد.

وأمّا الجبريَّةُ، فالتَّوحيدُ عندهم: هو تفرُّدُ الرَّبِّ تعالى بالخلق والفعل، وأنَّ العبادَ غير فاعلين على الحقيقة، ولا مُحْدِثين لأفعالهم، ولا قادرين عليها؛ وأنَّ الرَّبَّ تعالى لم يفعل لحكمةٍ ولا غايةٍ تُطْلَب بالفعل، وليس في المخلوقات قوًى وطبائع وغرائز وأسبابٌ؛ بل ما ثمَّ إلّا مشيئةٌ محضةٌ ترجِّح مِثلًا على مثلٍ بغير مرجِّحٍ ولا حكمةٍ ولا سببٍ البتَّة.

وأمَّا صاحبُ «المنازل» ﵀ ومن سلك سبيله فالتَّوحيدُ عندهم: نوعان، أحدهما غير موجودٍ ولا ممكنٍ، وهو: توحيدُ العبدِ ربَّه، فعندهم:

ما وحَّد الواحدَ من واحدٍإذ كلُّ من وحَّده جاحدُ١

والثاني: توحيدٌ صحيحٌ، وهو توحيدُ الرَّبِّ لنفسه٢. وكلُّ من ينعته سواه فإنَّه٣ ملحدٌ.

  1. (١) لصاحب «المنازل» من أبيات ثلاثة ختم بها الكتاب. وقد فسَّرها المصنف في المجلد الأول (ص ٢٢٥)، وسيفسِّرها مرة أخرى في موضعها. ولم يفطن محقق طبعة دار ابن خزيمة لكونه بيتًا من الشعر.
  2. (٢) ش، د: «نفسه».
  3. (٣) ش، د: «فهو».
448

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي