مدارج السالكين

وأجمع المسلمون على أنّ الكافر إذا قال: لا إله إلّا الله، محمّدٌ رسول الله، فقد دخل في الإسلام، وشهد شهادة الحقِّ، ولم يتوقَّف إسلامُه على لفظ الشّهادة، وقد دخل في قوله: «حتّى يشهدوا أن لا إله إلّا الله» وفي اللفظ الآخر: «حتّى يقولوا لا إله إلّا الله»١. فدلَّ على أنَّ مجرَّدَ قولهم: «لا إله إلّا الله» شهادةٌ منهم.

وهذا أكثر من أن تذكر شواهده في الكتاب والسُّنّة. فليس مع من اشترط لفظ الشّهادة دليلٌ يعتمد عليه، والله أعلم٢.

فصل

وأمّا مرتبة الإعلام والإخبار، فنوعان: إعلامٌ بالقول، وإعلامٌ بالفعل. وهذا شأنُ كلِّ مُعْلِمٍ لغيره بأمرٍ: تارةً يُعلِمه به بقوله، وتارةً بفعله. ولهذا كان من جعل داره مسجدًا، وفتَح بابها لكلِّ من دخل إليها، وأَذِن في الصّلاة فيها= مُعْلِمًا أنّها وقفٌ، وإن لم يتلفَّظ به. وكذلك من وُجِدَ متقرِّبًا إلى غيره بأنواع المَسَارِّ، مُعْلِمًا له ولغيره أنّه يحبُّه، وإن لم يتلفَّظ بقوله. وكذلك بالعكس.

وكذلك شهادةُ الرَّبِّ ــ ﷻ ــ وبيانُه وإعلامُه يكون بقوله تارةً،

  1. (١) انظر: حديث أبي هريرة ﵁ في «صحيح مسلم» (٢١/ ٣٢) باللفظ الأول و(٢١/ ٣٤) باللفظ الثاني.
  2. (٢) انظر: «الطرق الحكمية» (٢/ ٥٤٢)، و«بدائع الفوائد» (٤/ ١٣٧٠).
454

وبفعله أخرى.

فالقول هو ما أرسل به رسلَه، وأنزل به كتبَه، ممّا قد عُلِمَ بالاضطرار. وإنَّ جميعَ الرُّسل أخبروا عن الله أنّه شهد لنفسه بأنّه لا إله إلّا هو، وأخبر بذلك، وأمرَ عباده أن يشهدوا به. وشهادتُه سبحانه أنه لا إله إلّا هو معلومةٌ من جهة كلِّ من بلَّغ عنه كلامَه.

وأمّا بيانُه وإعلامُه بفعله، فهو ما تضمّنه خبرُه تعالى عن الأدلّة الدّالّة على وحدانيّته التي يُعلَم١ دلالتها بالعقل والفطرة. وهذا أيضًا يُستعمَل فيه لفظُ الشَّهادة، كما يُستعمَل فيه لفظُ الدّلالة والإرشاد والبيان، فإنّ الدّليل يبيِّن المدلولَ عليه ويُظهره، كما يبيِّنه الشّاهد المخبر؛ بل قد يكون البيانُ بالفعل أظهر وأبلغ.

وقد يسمّى شاهدُ الحال نطقًا وقولًا وكلامًا، لقيامه مقامَه وأدائه مؤدَّاه، كما قيل:

وقالت له العينانِ سمعًا وطاعةًوحدَّرتا كالدُّرِّ لمّا يثقَّبِ٢

وقال الآخر:

شكا إليَّ جملي طولَ السُّرىصبرًا جميلًا فكلانا مبتلى٣
  1. (١) كذا في ش، د، ت، والمصدر يذكر ويؤنث.
  2. (٢) لم يعرف قائله. وقد استشهد به في «الخصائص» (١/ ٢٣)، و«تمهيد الأوائل» للباقلاني (ص ٢٧٣)، و«الانتصار» له (٢/ ٧٨٨) ــ والقافية فيهما: ينضَّد/ ينظَّم ــ و«المحكم» (٦/ ٣٤٧)، و«أمالي ابن الشجري» (٢/ ٥١).
  3. (٣) ش، د: «صبرٌ جميلٌ»، وهي رواية سيبويه (١/ ٣٢١)، و«مجاز القرآن» (١/ ٣٠٣). وفي «معاني القرآن» للفراء (٢/ ٥٤، ١٥٦) كما أثبت من ت. ومثله في «تفسير الطبري» (١٥/ ٣٤٨) و«معاني الزجاج» (٣/ ٩٧). وفي ر: «صبرًا جُمَيلي». والرَّجز منسوب في «شرح ابن السيرافي» (١/ ٣١٧) إلى المُلْبِد بن حرملة الشيباني، وتعقّبه الغندجاني في «فرحة الأديب» (ص ١٧٩).
455

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي