فالقول هو ما أرسل به رسلَه، وأنزل به كتبَه، ممّا قد عُلِمَ بالاضطرار. وإنَّ جميعَ الرُّسل أخبروا عن الله أنّه شهد لنفسه بأنّه لا إله إلّا هو، وأخبر بذلك، وأمرَ عباده أن يشهدوا به. وشهادتُه سبحانه أنه لا إله إلّا هو معلومةٌ من جهة كلِّ من بلَّغ عنه كلامَه.
وأمّا بيانُه وإعلامُه بفعله، فهو ما تضمّنه خبرُه تعالى عن الأدلّة الدّالّة على وحدانيّته التي يُعلَم١ دلالتها بالعقل والفطرة. وهذا أيضًا يُستعمَل فيه لفظُ الشَّهادة، كما يُستعمَل فيه لفظُ الدّلالة والإرشاد والبيان، فإنّ الدّليل يبيِّن المدلولَ عليه ويُظهره، كما يبيِّنه الشّاهد المخبر؛ بل قد يكون البيانُ بالفعل أظهر وأبلغ.
وقد يسمّى شاهدُ الحال نطقًا وقولًا وكلامًا، لقيامه مقامَه وأدائه مؤدَّاه، كما قيل:
وقالت له العينانِ سمعًا وطاعةًوحدَّرتا كالدُّرِّ لمّا يثقَّبِ٢
(٢) لم يعرف قائله. وقد استشهد به في «الخصائص» (١/ ٢٣)، و«تمهيد الأوائل» للباقلاني (ص ٢٧٣)، و«الانتصار» له (٢/ ٧٨٨) ــ والقافية فيهما: ينضَّد/ ينظَّم ــ و«المحكم» (٦/ ٣٤٧)، و«أمالي ابن الشجري» (٢/ ٥١).
(٣) ش، د: «صبرٌ جميلٌ»، وهي رواية سيبويه (١/ ٣٢١)، و«مجاز القرآن» (١/ ٣٠٣). وفي «معاني القرآن» للفراء (٢/ ٥٤، ١٥٦) كما أثبت من ت. ومثله في «تفسير الطبري» (١٥/ ٣٤٨) و«معاني الزجاج» (٣/ ٩٧). وفي ر: «صبرًا جُمَيلي». والرَّجز منسوب في «شرح ابن السيرافي» (١/ ٣١٧) إلى المُلْبِد بن حرملة الشيباني، وتعقّبه الغندجاني في «فرحة الأديب» (ص ١٧٩).
وقال الآخر:
امتلأ الحوضُ وقال قَطْنيمهلًا رويدًا قد ملأتُ بطني١
ويسمّى هذا شهادةً أيضًا، كما في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾[التوبة: ١٧]. فهذه شهادةٌ منهم على أنفسهم بما يفعلونه من أعمال الكفر وأقواله، فهي شهادةٌ بكفرهم، وهم شاهدون على أنفسهم بما شهدت به.
والمقصود: أنَّه سبحانه يشهد٢ بما جعل آياته المخلوقةَ دالّةً عليه، فإنَّ دلالتها إنّما هي بخلقه وجعله، ويشهد بآياته القوليّة الكلاميّة المطابقة لما شهدت به آياتُه الخلقيّة، فتتطابق شهادةُ القول وشهادةُ الفعل، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾[فصلت: ٥٣]، أي أنّ القرآن حقٌّ. فأخبر أنّه يدلُّ بآياته الأفقيّة والنَّفسيّة على صدق آياته القوليّة الكلاميّة.
وهذه الشّهادة الفعليّة قد ذكرها غيرُ واحدٍ من أئمّة العربيّة والتّفسير. قال