مدارج السالكين

معه إلهًا. وهذا يفهمه المخاطب من هذا النّفي والإثبات، كما إذا رأيتَ رجلًا يستفتي أو يستشهد أو يستطِبُّ مَن ليس أهلًا لذلك، ويدَعُ مَن هو أهلٌ له، فتقول١: هذا ليس بمفتٍ ولا شاهدٍ ولا طبيبٍ، المفتي فلانٌ، والشّاهد فلانٌ، والطّبيب فلانٌ؛ فإنَّ هذا أمرٌ منه٢ ونهيٌ.

وأيضًا فإنّ الآية٣ قد دلّت على أنّه وحده المستحقُّ للعبادة، فإذا أخبر أنّه هو وحده المستحقُّ للعبادة تضمَّن هذا الإخبارُ: أمرَ العباد٤ وإلزامَهم بأداء ما يستحقُّه الرَّبُّ تعالى عليهم، وأنَّ القيامَ بذلك هو خالصُ حقِّه عليهم، فإذا شهد سبحانه أنّه لا إله إلّا هو تضمّنت شهادتُه الأمرَ والإلزامَ بتوحيده.

وأيضًا، فلفظُ الحكم والقضاء يُستعمَل في الجمل الخبريّة، ويقال للجملة الخبريّة: قضيّةٌ وحكمٌ، وقد حُكِمَ فيها بكيت وكيت. قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ١٥١ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ١٥٢ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ ١٥٣ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥١ - ١٥٤]، فجعل هذا الإخبارَ المجرَّدَ منهم حكمًا. وقال في موضعٍ آخر: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ

  1. (١) أهمل حرف المضارع في ت وانظر التعليق التالي.
  2. (٢) كذا في النسخ وهو مناسب لسياق الكلام في «مجموع الفتاوى» (١٤/ ١٧١): «كما إذا استفتى شخصٌ شخصًا، فقال له قائل ...». أما السياق هنا (كما إذا رأيتَ رجلًا ...) فمقتضاه: «منك».
  3. (٣) كذا في النسخ، وفي طبعة الفقي: «الأدلَّة». والسياق في «الفتاوى» (١٤/ ١٧٢): «وأيضًا فلو لم يكن هناك طالبٌ للعبادة، فلفظ الإله يقتضي أنه يستحق العبادة، فإذا أخبر ...».
  4. (٤) ش، د: «أمرًا للعباد».
458

كَيْفَ﴾ [القلم: ٣٥]. لكن هذا حكمٌ لا إلزام معه، والحكمُ والقضاءُ بأنّه لا إله إلّا هو: متضمِّنٌ للإلزام.

فصل

وقوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾: القسط هو العدل، فشهد١ سبحانه أنّه قائمٌ بالعدل في توحيده، وبالوحدانيّة في عدله.

والتَّوحيدُ والعدلُ هما جِماعُ صفات الكمال، فإنَّ التَّوحيدَ يتضمَّن تفرُّدَه سبحانه بالكمال والجلال والمجد والتَّعظيم الذي لا ينبغي لأحدٍ سواه، والعدلُ يتضمَّن وقوعَ أفعاله كلِّها على السَّداد والصَّواب وموافقة الحكمة.

فهذا توحيدُ الرُّسل وعدلُهم: إثباتُ الصِّفات والأمرُ بعبادة الله وحده لا شريك له، وإثباتُ القدَر والحكمةِ٢، والغاياتِ المطلوبة المحمودة بفعله وأمره؛ لا توحيدُ الجهميّة والمعتزلة والقدريّة الذي هو إنكارُ الصِّفاتِ وحقائقِ الأسماء الحسنى، وعدلُهم الذي هو التّكذيبُ بالقدَر، أو نفيُ الحِكَم والغايات٣ والعواقب الحميدة التي يفعل لأجلها ويأمر٤.

وقيامُه سبحانه بالقسط في شهادته يتضمَّن أمورًا:

أحدها٥: أنّه قائمٌ بالقسط في هذه الشَّهادة التي هي أعدَلُ شهادةٍ على

  1. (١) ش، د: «شهد».
  2. (٢) ر: «الحِكَم».
  3. (٣) العبارة «المطلوبة المحمودة ... الغايات» ساقطة من ت لانتقال النظر.
  4. (٤) ت: «فيما مرَّ»، تحريف.
  5. (٥) لم يذكر بعده الثاني والثالث ...
459

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي