كَيْفَ﴾ [القلم: ٣٥]. لكن هذا حكمٌ لا إلزام معه، والحكمُ والقضاءُ بأنّه لا إله إلّا هو: متضمِّنٌ للإلزام.
فصل
وقوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾: القسط هو العدل، فشهد١ سبحانه أنّه قائمٌ بالعدل في توحيده، وبالوحدانيّة في عدله.
والتَّوحيدُ والعدلُ هما جِماعُ صفات الكمال، فإنَّ التَّوحيدَ يتضمَّن تفرُّدَه سبحانه بالكمال والجلال والمجد والتَّعظيم الذي لا ينبغي لأحدٍ سواه، والعدلُ يتضمَّن وقوعَ أفعاله كلِّها على السَّداد والصَّواب وموافقة الحكمة.
فهذا توحيدُ الرُّسل وعدلُهم: إثباتُ الصِّفات والأمرُ بعبادة الله وحده لا شريك له، وإثباتُ القدَر والحكمةِ٢، والغاياتِ المطلوبة المحمودة بفعله وأمره؛ لا توحيدُ الجهميّة والمعتزلة والقدريّة الذي هو إنكارُ الصِّفاتِ وحقائقِ الأسماء الحسنى، وعدلُهم الذي هو التّكذيبُ بالقدَر، أو نفيُ الحِكَم والغايات٣ والعواقب الحميدة التي يفعل لأجلها ويأمر٤.
وقيامُه سبحانه بالقسط في شهادته يتضمَّن أمورًا:
أحدها٥: أنّه قائمٌ بالقسط في هذه الشَّهادة التي هي أعدَلُ شهادةٍ على
الإطلاق، وإنكارُها وجحودُها أظلَمُ الظُّلم على الإطلاق. فلا أعدلَ من التّوحيد، ولا أظلمَ من الشِّرك. فهو سبحانه قائمٌ بالعدل في هذه الشَّهادة قولًا وفعلًا، حيث شهد بها وأخبَرَ وأعلَمَ عباده، وبيَّن لهم تحقيقها وصحَّتها، وألزَمَهم بمقتضاها، وحكَم بها١، وجعل الثّوابَ والعقابَ عليها، كما جعل الأمرَ والنّهيَ من حقوقها وواجباتها. فالدِّينُ كلُّه من حقوقها٢، والثّوابُ كلُّه عليها، والعقابُ كلُّه على تركها.
وهذا هو العدل الذي قام به الرَّبُّ تعالى في هذه الشَّهادة. فأوامرُه كلُّها تكميلٌ لها وأمرٌ بأداء حقوقها، ونواهيه كلُّها صيانةٌ لها عمَّا يهضِمها ويضادُّها. وثوابُه كلُّه عليها، وعقابُه كلُّه على تركها وتركِ حقوقها. وخلقُه السّماواتِ والأرضَ وما بينهما كان بها ولأجلها، وهي الحقُّ الذي خلقت به٣. وضدُّها هو الباطل والعبث الذي نزَّه نفسَه عنه، وأخبر أنّه لم يخلُق به السَّماوات والأرض. قال تعالى ردًّا على المشركين المنكرين لهذه الشّهادة: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾[ص: ٢٧]. وقال تعالى: ﴿حم ١ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ٢ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾[الأحقاف: ١ - ٣]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾[يونس: ٥]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ
(١) ت، ر: «به».
(٢) «وواجباتها ... حقوقها» ساقط من ش، د لانتقال النظر.