مدارج السالكين

وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [الروم: ٨]. وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ٣٨ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩]. وهذا كثيرٌ في القرآن.

والحقُّ الذي خُلقت به السّماواتُ والأرضُ ولأجله: هو التَّوحيدُ وحقوقُه من الأمر والنّهي والثّواب والعقاب. فالشَّرعُ والقدَرُ، والخلقُ والأمرُ، والثَّوابُ والعقابُ= قائمٌ بالتَّوحيدِ والعدلِ، والتّوحيد صادرٌ عنهما. وهذا هو الصِّراط المستقيم الذي عليه١ الرَّبُّ سبحانه. قال تعالى حكايةً عن نبيِّه شعيب٢ أنه قال: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]. فهو سبحانه على صراطٍ مستقيمٍ في قوله وفعله، فهو يقول الحقّ، ويفعل العدل. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ٣ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤].

فالصِّراط المستقيم الذي عليه ربُّنا ﵎ هو مقتضى التّوحيد والعدل. قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ

  1. (١) ت: «عيّنه»، تحريف.
  2. (٢) وكذا في «أعلام الموقعين» (١/ ٣٢٦) و«روضة المحبين» (ص ٩٥) و«مفتاح دار السعادة» (٢/ ١٠٥٨) أيضًا، والصواب: «هود» كما في «الداء والدواء» (ص ٤٨٠) وغيره.
  3. (٣) كذا في النسخ على قراءة أبي عمرو وغيره.
461

بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى﴾ [النحل: ٧٦]. فهذا مثلٌ ضربه الله سبحانه لنفسه وللصَّنم، فهو سبحانه الذي يأمر بالعدل، وهو على صراطٍ مستقيمٍ. والصَّنُم مثل العبد الذي هو كَلٌّ على مولاه، الذي١ أينما يوجِّهه لا يأت بخيرٍ.

والمقصود: أنّ قوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ هو كقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

وقوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ نصبٌ على الحال. وفيه وجهان٢، أحدهما: أنّه حالٌ من الفاعل في ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾، والعامل فيه الفعلُ. والمعنى على هذا: شهد الله حال قيامه بالقسط: أنّه لا إله إلّا هو. والثّاني: أنّه حالٌ من قوله: ﴿هُوَ﴾، والعاملُ فيها معنى النّفي، أي: لا إله إلّا هو حالَ كونه قائمًا بالقسط.

وبين التّقديرين فرقٌ ظاهرٌ، فإنّ التّقدير الأوّل يتضمَّن أنّ المعنى: شهِد اللهُ متكلِّمًا بالعدل، مخبرًا به، آمرًا به، فاعلًا له، مجازيًا به: أنّه لا إله إلّا هو. فإنَّ العدل يكون في القول والفعل، والمقسطُ هو العادلُ في قوله وفعله، فشهِد الله قائمًا بالعدل قولًا وفعلًا: أنّه لا إله إلّا هو. وفي ذلك تحقيقٌ لكون هذه الشَّهادة شهادةَ عدلٍ وقسطٍ، وهي أعدلُ شهادةٍ، كما أنَّ المشهودَ به أعدَلُ شيءٍ وأصحُّه وأحقُّه.

  1. (١) لم يرد «الذي» في ت، ومن قبل سقط منها «مثل العبد».
  2. (٢) انظر: «تفسير الطبري» (٦/ ٢٧٠)، و«الكشاف» (١/ ٣٤٤) والمؤلف صادر كما سبق عن تفسير شيخه. انظر: «مجموع الفتاوى» (١٤/ ١٧٥).
462

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي