مدارج السالكين

بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى﴾ [النحل: ٧٦]. فهذا مثلٌ ضربه الله سبحانه لنفسه وللصَّنم، فهو سبحانه الذي يأمر بالعدل، وهو على صراطٍ مستقيمٍ. والصَّنُم مثل العبد الذي هو كَلٌّ على مولاه، الذي١ أينما يوجِّهه لا يأت بخيرٍ.

والمقصود: أنّ قوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ هو كقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

وقوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ نصبٌ على الحال. وفيه وجهان٢، أحدهما: أنّه حالٌ من الفاعل في ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾، والعامل فيه الفعلُ. والمعنى على هذا: شهد الله حال قيامه بالقسط: أنّه لا إله إلّا هو. والثّاني: أنّه حالٌ من قوله: ﴿هُوَ﴾، والعاملُ فيها معنى النّفي، أي: لا إله إلّا هو حالَ كونه قائمًا بالقسط.

وبين التّقديرين فرقٌ ظاهرٌ، فإنّ التّقدير الأوّل يتضمَّن أنّ المعنى: شهِد اللهُ متكلِّمًا بالعدل، مخبرًا به، آمرًا به، فاعلًا له، مجازيًا به: أنّه لا إله إلّا هو. فإنَّ العدل يكون في القول والفعل، والمقسطُ هو العادلُ في قوله وفعله، فشهِد الله قائمًا بالعدل قولًا وفعلًا: أنّه لا إله إلّا هو. وفي ذلك تحقيقٌ لكون هذه الشَّهادة شهادةَ عدلٍ وقسطٍ، وهي أعدلُ شهادةٍ، كما أنَّ المشهودَ به أعدَلُ شيءٍ وأصحُّه وأحقُّه.

  1. (١) لم يرد «الذي» في ت، ومن قبل سقط منها «مثل العبد».
  2. (٢) انظر: «تفسير الطبري» (٦/ ٢٧٠)، و«الكشاف» (١/ ٣٤٤) والمؤلف صادر كما سبق عن تفسير شيخه. انظر: «مجموع الفتاوى» (١٤/ ١٧٥).
462

وذكر ابنُ السّائب١ وغيرُه في سبب نزول الآية ما يشهد بذلك، وهو أنّ حبرين من أحبار الشّام قدما على النّبيِّ ﷺ، فلمّا أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينةَ بصفة مدينةِ النّبيِّ الذي يخرج في آخر الزَّمان! فلمّا دخلا على النّبيِّ ﷺ فقالا له: أنت محمّدٌ؟ قال: نعم. قالا: وأحمد؟ قال: نعم. قالا: نسألك عن شهادةٍ، فإن أخبرتَنا بها آمنَّا بك. قال: سلاني. قالا: أخبِرنا عن٢ أعظم شهادةٍ في كتاب الله. فنزلت: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الآية.

وإذا كان القيامُ بالقسط يكون في القول والفعل كان المعنى: أنّه سبحانه يشهد وهو قائمٌ بالعدل، عاملٌ به لا بالظُّلم. فإنَّ هذه الشّهادة تضمَّنت قولًا وعملًا، فإنّها تضمّنت أنّه هو الذي يستحقُّ العبادة وحده دون غيره، وأنَّ الذين عبدوه وحده هم المفلحون السُّعداء، وأنَّ الذين أشركوا به غيره هم الضَّالُّون الأشقياء. فإذا شهد قائمًا بالعدل ــ المتضمِّن جزاءَ المخلصين بالجنّة، وجزاءَ المشركين بالنّار ــ كان هذا من تمام موجَب هذه الشّهادة وتحقيقها، وكان قولُه: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ تنبيهًا على جزاء الشّاهد بها والجاحد لها.

فصل

وأمّا التّقدير الثّاني ــ وهو أن يكون قوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ حالًا ممّا بعد

  1. (١) يعني: الكلبي. وعنه نقل شيخ الإسلام. وانظر حكاية الكلبي في «بحر العلوم» للسمرقندي (١/ ٢٠٠) والثعلبي في «الكشف» (٣/ ٣٢) والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٩٢). ولم أر أحدًا نقلها عن غير الكلبي كما ذكر المؤلف.
  2. (٢) حرف «عن» ساقط من ش، د.
463

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي