وذكر ابنُ السّائب١ وغيرُه في سبب نزول الآية ما يشهد بذلك، وهو أنّ حبرين من أحبار الشّام قدما على النّبيِّ ﷺ، فلمّا أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينةَ بصفة مدينةِ النّبيِّ الذي يخرج في آخر الزَّمان! فلمّا دخلا على النّبيِّ ﷺ فقالا له: أنت محمّدٌ؟ قال: نعم. قالا: وأحمد؟ قال: نعم. قالا: نسألك عن شهادةٍ، فإن أخبرتَنا بها آمنَّا بك. قال: سلاني. قالا: أخبِرنا عن٢ أعظم شهادةٍ في كتاب الله. فنزلت: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الآية.
وإذا كان القيامُ بالقسط يكون في القول والفعل كان المعنى: أنّه سبحانه يشهد وهو قائمٌ بالعدل، عاملٌ به لا بالظُّلم. فإنَّ هذه الشّهادة تضمَّنت قولًا وعملًا، فإنّها تضمّنت أنّه هو الذي يستحقُّ العبادة وحده دون غيره، وأنَّ الذين عبدوه وحده هم المفلحون السُّعداء، وأنَّ الذين أشركوا به غيره هم الضَّالُّون الأشقياء. فإذا شهد قائمًا بالعدل ــ المتضمِّن جزاءَ المخلصين بالجنّة، وجزاءَ المشركين بالنّار ــ كان هذا من تمام موجَب هذه الشّهادة وتحقيقها، وكان قولُه: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ تنبيهًا على جزاء الشّاهد بها والجاحد لها.
فصل
وأمّا التّقدير الثّاني ــ وهو أن يكون قوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ حالًا ممّا بعد
(١) يعني: الكلبي. وعنه نقل شيخ الإسلام. وانظر حكاية الكلبي في «بحر العلوم» للسمرقندي (١/ ٢٠٠) والثعلبي في «الكشف» (٣/ ٣٢) والواحدي في «أسباب النزول» (ص ٩٢). ولم أر أحدًا نقلها عن غير الكلبي كما ذكر المؤلف.
(٢) حرف «عن» ساقط من ش، د.
إلّا ــ فالمعنى: أنّه وحدَه الإلهُ١ قائمًا بالعدل، فهو وحدَه المستحقُّ للإلهيَّة مع كونه قائمًا بالقسط. قال شيخنا٢: وهذا التّقدير أرجح، فإنّه يتضمَّن أنّ الملائكة وأولي العلم يشهدون له بأنّه لا إله إلّا هو، وأنّه٣ قائمٌ بالقسط.
قلتُ: مراده أنّه إذا كان قوله ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ حالًا من المشهود به، فهو كالصِّفة له، فإنّ الحال صفةٌ في المعنى؛ فإذا وقعت الشَّهادةُ على ذي الحال وصاحبها كان كلاهما مشهودًا به، فيكون الملائكة وأولو العلم قد شهدوا بأنّه قائمٌ بالقسط، كما شهدوا بأنّه لا إله إلّا هو. والتّقدير الأوّل لا يتضمَّن ذلك، فإنّه إذا كان التّقدير: شهد الله قائمًا بالقسط أنّه٤ لا إله إلّا هو، والملائكة وأولو العلم يشهدون أنّه لا إله إلّا هو= كان القيامُ بالقسط حالًا من اسم الله وحده. وأيضًا فكونُه قائمًا بالقسط فيما شهد به أبلَغُ من كونه حالًا من مجرَّد الشاهد٥.
فإن قيل٦: فإذا كان حالًا من «هو» فهلَّا اقترن به؟ ولم فُصِل بين صاحب الحال وبينها بالمعطوف، فجاء متوسِّطًا بين صاحب الحال وبينها؟
قلتُ: فائدته ظاهرة، فإنّه لو قال: «شهد الله أنّه لا إله إلّا هو قائمًا
(١) ر: «أنه لا إله إلا هو»، وكذا في طبعة الفقي. وفي «مجموع الفتاوى» (١٤/ ١٧٧) كما أثبت من النسخ المعتمدة.
(٢) في موضع «قال شيخنا» بياض في ت.
(٣) «وأنه» ساقط من ش، د.
(٤) «أنه» ساقط من ش، والعبارة من قوله: «أنه» إلى «بالقسط» ساقطة من د.
(٥) كذا في النسخ المعتمدة. وفي ر: «الشهادة»، وكذا في المطبوع.