إلّا ــ فالمعنى: أنّه وحدَه الإلهُ١ قائمًا بالعدل، فهو وحدَه المستحقُّ للإلهيَّة مع كونه قائمًا بالقسط. قال شيخنا٢: وهذا التّقدير أرجح، فإنّه يتضمَّن أنّ الملائكة وأولي العلم يشهدون له بأنّه لا إله إلّا هو، وأنّه٣ قائمٌ بالقسط.
قلتُ: مراده أنّه إذا كان قوله ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ حالًا من المشهود به، فهو كالصِّفة له، فإنّ الحال صفةٌ في المعنى؛ فإذا وقعت الشَّهادةُ على ذي الحال وصاحبها كان كلاهما مشهودًا به، فيكون الملائكة وأولو العلم قد شهدوا بأنّه قائمٌ بالقسط، كما شهدوا بأنّه لا إله إلّا هو. والتّقدير الأوّل لا يتضمَّن ذلك، فإنّه إذا كان التّقدير: شهد الله قائمًا بالقسط أنّه٤ لا إله إلّا هو، والملائكة وأولو العلم يشهدون أنّه لا إله إلّا هو= كان القيامُ بالقسط حالًا من اسم الله وحده. وأيضًا فكونُه قائمًا بالقسط فيما شهد به أبلَغُ من كونه حالًا من مجرَّد الشاهد٥.
فإن قيل٦: فإذا كان حالًا من «هو» فهلَّا اقترن به؟ ولم فُصِل بين صاحب الحال وبينها بالمعطوف، فجاء متوسِّطًا بين صاحب الحال وبينها؟
قلتُ: فائدته ظاهرة، فإنّه لو قال: «شهد الله أنّه لا إله إلّا هو قائمًا
(١) ر: «أنه لا إله إلا هو»، وكذا في طبعة الفقي. وفي «مجموع الفتاوى» (١٤/ ١٧٧) كما أثبت من النسخ المعتمدة.
(٢) في موضع «قال شيخنا» بياض في ت.
(٣) «وأنه» ساقط من ش، د.
(٤) «أنه» ساقط من ش، والعبارة من قوله: «أنه» إلى «بالقسط» ساقطة من د.
(٥) كذا في النسخ المعتمدة. وفي ر: «الشهادة»، وكذا في المطبوع.
(٦) ت: «قلت».
بالقسط والملائكة وأولو العلم» أوهَمَ عطفَ الملائكة وأولي العلم على الضَّمير في قوله: ﴿قَائِمًا﴾ وتحسَّن العطفُ١ لأجل الفصل بقوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾٢، وليس المعنى على ذلك قطعًا، وإنّما المعنى على خلافه، وهو أنّ قيامه بالقسط مختصٌّ٣ به، كما أنّه مختصٌّ بالإلهيّة؛ فهو وحده الإله المعبود المستحقُّ٤ للعبادة، وهو وحده المجازي المثيب المعاقِب بالعدل.
وقوله: «لا إله إلّا هو»، ذُكِر عن٥ جعفر بن محمد أنّه قال: الأولى وصفٌ وتوحيدٌ، والثّانية: رسمٌ وتعليمٌ، أي قولوا: لا إله إلّا هو٦. ومعنى هذا: أنّ الأولى تضمّنت أنّ الله سبحانه شهد بها وأخبر بها، والتّالي للقرآن إنّما يخبر عن شهادة الله، لا عن شهادته هو، وليس في ذلك شهادةٌ من التّالي نفسه، فأعاد سبحانه ذكرَها مجرّدةً ليقولها التَّالي، فيكون شاهدًا هو بها أيضًا. وأيضًا فالأولى: خبرٌ عن الشّهادة بالتَّوحيد، والثّانية: خبرٌ عن نفس التَّوحيد.
(١) يعني: على الضمير في «قائمًا» وكذا «تحسن العطف» في د على الصواب. ولم ينقط أول الفعل في ت، وفي غيرهما: «يحسن»، تصحيف خفي به السياق، فأثبت في نشرة الفقي وغيرها: «لا يحسن» بزيادة «لا» النافية.
(٢) «بقوله ﴿بالقسط﴾» من ت وحدها.
(٣) ش، د: «يختصُّ».
(٤) ش، د: «والمستحق».
(٥) «عن» ساقطة من المطبوع. وفي ر: «محمد بن جعفر» وكذا في طبعة الفقي، وهو غلط: وجعفر بن محمد هو الشهير بجعفر الصادق بن محمد الباقر.