مدارج السالكين

بالقسط والملائكة وأولو العلم» أوهَمَ عطفَ الملائكة وأولي العلم على الضَّمير في قوله: ﴿قَائِمًا﴾ وتحسَّن العطفُ١ لأجل الفصل بقوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾٢، وليس المعنى على ذلك قطعًا، وإنّما المعنى على خلافه، وهو أنّ قيامه بالقسط مختصٌّ٣ به، كما أنّه مختصٌّ بالإلهيّة؛ فهو وحده الإله المعبود المستحقُّ٤ للعبادة، وهو وحده المجازي المثيب المعاقِب بالعدل.

وقوله: «لا إله إلّا هو»، ذُكِر عن٥ جعفر بن محمد أنّه قال: الأولى وصفٌ وتوحيدٌ، والثّانية: رسمٌ وتعليمٌ، أي قولوا: لا إله إلّا هو٦. ومعنى هذا: أنّ الأولى تضمّنت أنّ الله سبحانه شهد بها وأخبر بها، والتّالي للقرآن إنّما يخبر عن شهادة الله، لا عن شهادته هو، وليس في ذلك شهادةٌ من التّالي نفسه، فأعاد سبحانه ذكرَها مجرّدةً ليقولها التَّالي، فيكون شاهدًا هو بها أيضًا. وأيضًا فالأولى: خبرٌ عن الشّهادة بالتَّوحيد، والثّانية: خبرٌ عن نفس التَّوحيد.

  1. (١) يعني: على الضمير في «قائمًا» وكذا «تحسن العطف» في د على الصواب. ولم ينقط أول الفعل في ت، وفي غيرهما: «يحسن»، تصحيف خفي به السياق، فأثبت في نشرة الفقي وغيرها: «لا يحسن» بزيادة «لا» النافية.
  2. (٢) «بقوله ﴿بالقسط﴾» من ت وحدها.
  3. (٣) ش، د: «يختصُّ».
  4. (٤) ش، د: «والمستحق».
  5. (٥) «عن» ساقطة من المطبوع. وفي ر: «محمد بن جعفر» وكذا في طبعة الفقي، وهو غلط: وجعفر بن محمد هو الشهير بجعفر الصادق بن محمد الباقر.
  6. (٦) «تفسير الثعلبي» (٣/ ٣٤)، «زاد المسير» (١/ ٣٦٢)، «مجموع الفتاوى» (١٤/ ١٨٠).
465

وختم الآية بقوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. فتضمَّنت الآيةُ توحيده، وعدله، وعزّته، وحكمته. فالتّوحيد يتضمَّن: ثبوتَ صفاتِ كماله ونعوتِ جلاله، وعدمَ المماثل له فيها، وعبادتَه وحده لا شريك له. والعدل يتضمَّن: وضعَه الأشياء مواضعَها وتنزيلَها منازلَها، وأنّه لم يخُصَّ منها شيئًا عن شيء إلّا بمخصِّصٍ اقتضى ذلك، وأنّه لا يعاقِبُ مَن لا يستحقُّ العقوبة، ولا يمنع مَن يستحقُّ العطاء، وإن كان هو الذي جعله مستحِقًّا. والعزَّةُ تتضمّن كمالَ قدرته وقوّته وقهره. والحكمةُ تتضمَّن: كمالَ علمه وخبرته، وأنّه أمَر ونهى وخلَق وقدَّر لما له في ذلك من الحِكَم والغايات الحميدة التي يستحقُّ عليها كمالَ الحمد.

فاسمه «العزيز» يتضمَّن الملك، واسمه «الحكيم» يتضمَّن الحمد، وأوّلُ الآية يتضمَّن التّوحيد. وذلك حقيقة «لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ»، وذلك أفضل ما قاله رسول الله ﷺ والنّبيُّون من قبله١.

والحكيم: الذي إذا أمر بأمرٍ كان حسنًا في نفسه، وإذا نهى عن شيءٍ كان قبيحًا في نفسه، وإذا أخبر بخبرٍ كان صدقًا، وإذا فعَلَ فعلًا كان صوابًا، وإذا

  1. (١) كما جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند الترمذي (٣٥٨٥) وغيره. في إسناده حماد بن أبي حميد، وهو ضعيف. قال الترمذي: «حديث غريب من هذا الوجه، وحماد بن أبي حميد ليس هو بالقوي عند أهل الحديث».
    وأخرجه مالك في «الموطأ» (٥٧٢، ١٢٧٠) ــ وعنه عبد الرزاق (٨١٢٥) ــ بإسناد صحيح عن طلحة بن عبيد الله بن كريز مرسلًا. وله شاهدان آخران، مسند ومرسل، يعتضد بهما الحديث. انظر: «الصحيحة» (١٥٠٣).
466

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي