مدارج السالكين

وختم الآية بقوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. فتضمَّنت الآيةُ توحيده، وعدله، وعزّته، وحكمته. فالتّوحيد يتضمَّن: ثبوتَ صفاتِ كماله ونعوتِ جلاله، وعدمَ المماثل له فيها، وعبادتَه وحده لا شريك له. والعدل يتضمَّن: وضعَه الأشياء مواضعَها وتنزيلَها منازلَها، وأنّه لم يخُصَّ منها شيئًا عن شيء إلّا بمخصِّصٍ اقتضى ذلك، وأنّه لا يعاقِبُ مَن لا يستحقُّ العقوبة، ولا يمنع مَن يستحقُّ العطاء، وإن كان هو الذي جعله مستحِقًّا. والعزَّةُ تتضمّن كمالَ قدرته وقوّته وقهره. والحكمةُ تتضمَّن: كمالَ علمه وخبرته، وأنّه أمَر ونهى وخلَق وقدَّر لما له في ذلك من الحِكَم والغايات الحميدة التي يستحقُّ عليها كمالَ الحمد.

فاسمه «العزيز» يتضمَّن الملك، واسمه «الحكيم» يتضمَّن الحمد، وأوّلُ الآية يتضمَّن التّوحيد. وذلك حقيقة «لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ»، وذلك أفضل ما قاله رسول الله ﷺ والنّبيُّون من قبله١.

والحكيم: الذي إذا أمر بأمرٍ كان حسنًا في نفسه، وإذا نهى عن شيءٍ كان قبيحًا في نفسه، وإذا أخبر بخبرٍ كان صدقًا، وإذا فعَلَ فعلًا كان صوابًا، وإذا

  1. (١) كما جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند الترمذي (٣٥٨٥) وغيره. في إسناده حماد بن أبي حميد، وهو ضعيف. قال الترمذي: «حديث غريب من هذا الوجه، وحماد بن أبي حميد ليس هو بالقوي عند أهل الحديث».
    وأخرجه مالك في «الموطأ» (٥٧٢، ١٢٧٠) ــ وعنه عبد الرزاق (٨١٢٥) ــ بإسناد صحيح عن طلحة بن عبيد الله بن كريز مرسلًا. وله شاهدان آخران، مسند ومرسل، يعتضد بهما الحديث. انظر: «الصحيحة» (١٥٠٣).
466

أراد شيئًا كان أولى بالإرادة من غيره. وهذا الوصف على الكمال لا يكون إلّا لله وحده.

فتضمَّنت١ هذه الشّهادة: وحدانيّتَه المنافيةَ للشِّرك، وعدلَه المنافيَ للظُّلم، وعزّتَه المنافيةَ للعجز، وحكمتَه المنافيةَ للجهل والعبث. ففيها الشّهادة له بالتّوحيد، والعدل، والقدرة، والعلم، والحكمة؛ ولهذا كانت أعظم شهادةٍ.

ولا يقوم بهذه الشّهادة على وجهها من جميع الطّوائف إلّا أهلُ السُّنّة، وسائرُ طوائف٢ أهل البدع لا يقومون بها: فالفلاسفة أشدُّ النّاس إنكارًا وجحودًا لمضمونها من أوّلها إلى آخرها. وطوائفُ الاتِّحاديّة: هم أبعدُ خلقِ الله منها من كلِّ وجهٍ. وطائفةُ الجهميّة تنكر حقيقتَها من وجوهٍ:

منها: أنّ الإله هو٣ الذي تألهه القلوب محبّةً له٤ واشتياقًا إليه وإنابةً. وعندهم: أنّ الله لا يُحِبُّ ولا يُحَبُّ.

ومنها: أنَّ الشّهادَة كلامُه وخَبرُه عمّا شهِد به. وهو عندهم لا يقول ولا يتكلَّم ولا يَشهد ولا يُخبر.

  1. (١) بعده في ر زيادة: «هذه الآية و»، وكذا في المطبوع دون تنبيه على خلوِّ الأصل منها.
  2. (٢) سقط من ش: «إلا أهل السنَّة وسائر طوائف» لانتقال النظر، فقدَّر بعضهم هذا الساقطَ، وكتب في هامشها: «إلا أهل السنة لأن أهل الشرك و» مع علامة صح في آخره وفوقها حرف الظاء، يعني: أن الظاهر أن هذه العبارة ساقطة من الأصل. وقد أثبت ناسخ د هذه العبارة أيضًا في هامشها، ولكن حذف حرف الظاء.
  3. (٣) «هو» ساقط من ت.
  4. (٤) «له» ساقط من ش، د.
467

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي