مدارج السالكين

أراد شيئًا كان أولى بالإرادة من غيره. وهذا الوصف على الكمال لا يكون إلّا لله وحده.

فتضمَّنت١ هذه الشّهادة: وحدانيّتَه المنافيةَ للشِّرك، وعدلَه المنافيَ للظُّلم، وعزّتَه المنافيةَ للعجز، وحكمتَه المنافيةَ للجهل والعبث. ففيها الشّهادة له بالتّوحيد، والعدل، والقدرة، والعلم، والحكمة؛ ولهذا كانت أعظم شهادةٍ.

ولا يقوم بهذه الشّهادة على وجهها من جميع الطّوائف إلّا أهلُ السُّنّة، وسائرُ طوائف٢ أهل البدع لا يقومون بها: فالفلاسفة أشدُّ النّاس إنكارًا وجحودًا لمضمونها من أوّلها إلى آخرها. وطوائفُ الاتِّحاديّة: هم أبعدُ خلقِ الله منها من كلِّ وجهٍ. وطائفةُ الجهميّة تنكر حقيقتَها من وجوهٍ:

منها: أنّ الإله هو٣ الذي تألهه القلوب محبّةً له٤ واشتياقًا إليه وإنابةً. وعندهم: أنّ الله لا يُحِبُّ ولا يُحَبُّ.

ومنها: أنَّ الشّهادَة كلامُه وخَبرُه عمّا شهِد به. وهو عندهم لا يقول ولا يتكلَّم ولا يَشهد ولا يُخبر.

  1. (١) بعده في ر زيادة: «هذه الآية و»، وكذا في المطبوع دون تنبيه على خلوِّ الأصل منها.
  2. (٢) سقط من ش: «إلا أهل السنَّة وسائر طوائف» لانتقال النظر، فقدَّر بعضهم هذا الساقطَ، وكتب في هامشها: «إلا أهل السنة لأن أهل الشرك و» مع علامة صح في آخره وفوقها حرف الظاء، يعني: أن الظاهر أن هذه العبارة ساقطة من الأصل. وقد أثبت ناسخ د هذه العبارة أيضًا في هامشها، ولكن حذف حرف الظاء.
  3. (٣) «هو» ساقط من ت.
  4. (٤) «له» ساقط من ش، د.
467

ومنها: أنّها تتضمَّن مباينتَه لخلقه بذاته وصفاته. وعند فرعونيِّهم: أنّه لا يُبايِنُ الخلقَ ولا يُحايِثُهم١، وليس فوق العرش إلهٌ يُعبَد، ولا ربٌّ يصلّى له ويُسْجَد. وعند حلوليِّهم: أنّه حالٌّ في كلِّ مكانٍ بذاته، حتّى في الأمكنة التي يُستحيا من ذكرها. فهؤلاء مُثبتة الجهميّة، وأولئك نُفاتهم.

ومنها: أنَّ قيامَه بالقسط في أفعاله وأقواله. وعندهم: أنّه لم يقم به فعلٌ ولا قولٌ البتّة، وأنَّ قولَه مخلوقٌ من بعض المخلوقات، وفعلَه هو المفعول المنفصل، وأمّا أن يكون له فعلٌ يكون به فاعلًا حقيقةً، فلا.

ومنها: أنّ القسط عندهم لا حقيقة له، بل كلُّ ممكنٍ فهو قسطٌ. وليس في مقدوره ما يكون ظلمًا وقسطًا، بل الظُّلمُ عندهم هو المُحالُ الممتنعُ لذاته، والقسط هو الممكن؛ فنزَّه نفسَه سبحانه ــ على قولهم ــ عن المحال الممتنع لذاته الذي لا يدخل تحت القدرة.

ومنها: أنّ العزّة هي القوّة والقدرة. وعندهم لا تقوم به صفةٌ، ولا له صفةٌ تسمّى قدرةً وقوّةً.

ومنها: أنّ الحكمة هي الغاية التي يُفْعَل لأجلها، وتكون هي المطلوبة بالفعل، ويكون وجودُها أولى من عدمها. وهذا عندهم ممتنعٌ٢ في حقِّه سبحانه، فلا يفعل لحكمةٍ ولا غايةٍ، بل لا غايةَ لفعله ولا أمره، وما ثمَّ إلّا محضُ المشيئة المجرَّدة عن الحكمة والتَّعليل.

ومنها: أنّ الإله هو الذي له الأسماء الحسنى والصِّفاتُ العُلا، وهو

  1. (١) ت: «يجانبهم»، تصحيف.
  2. (٢) ت: «يمتنع».
468

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي