مدارج السالكين

ومنها: أنّها تتضمَّن مباينتَه لخلقه بذاته وصفاته. وعند فرعونيِّهم: أنّه لا يُبايِنُ الخلقَ ولا يُحايِثُهم١، وليس فوق العرش إلهٌ يُعبَد، ولا ربٌّ يصلّى له ويُسْجَد. وعند حلوليِّهم: أنّه حالٌّ في كلِّ مكانٍ بذاته، حتّى في الأمكنة التي يُستحيا من ذكرها. فهؤلاء مُثبتة الجهميّة، وأولئك نُفاتهم.

ومنها: أنَّ قيامَه بالقسط في أفعاله وأقواله. وعندهم: أنّه لم يقم به فعلٌ ولا قولٌ البتّة، وأنَّ قولَه مخلوقٌ من بعض المخلوقات، وفعلَه هو المفعول المنفصل، وأمّا أن يكون له فعلٌ يكون به فاعلًا حقيقةً، فلا.

ومنها: أنّ القسط عندهم لا حقيقة له، بل كلُّ ممكنٍ فهو قسطٌ. وليس في مقدوره ما يكون ظلمًا وقسطًا، بل الظُّلمُ عندهم هو المُحالُ الممتنعُ لذاته، والقسط هو الممكن؛ فنزَّه نفسَه سبحانه ــ على قولهم ــ عن المحال الممتنع لذاته الذي لا يدخل تحت القدرة.

ومنها: أنّ العزّة هي القوّة والقدرة. وعندهم لا تقوم به صفةٌ، ولا له صفةٌ تسمّى قدرةً وقوّةً.

ومنها: أنّ الحكمة هي الغاية التي يُفْعَل لأجلها، وتكون هي المطلوبة بالفعل، ويكون وجودُها أولى من عدمها. وهذا عندهم ممتنعٌ٢ في حقِّه سبحانه، فلا يفعل لحكمةٍ ولا غايةٍ، بل لا غايةَ لفعله ولا أمره، وما ثمَّ إلّا محضُ المشيئة المجرَّدة عن الحكمة والتَّعليل.

ومنها: أنّ الإله هو الذي له الأسماء الحسنى والصِّفاتُ العُلا، وهو

  1. (١) ت: «يجانبهم»، تصحيف.
  2. (٢) ت: «يمتنع».
468

الذي يفعل بقدرته ومشيئته وحكمته، وهو الموصوف بالصِّفات والأفعال، المسمّى بالأسماء الّتي قامت به١ حقائقها ومعانيها. وهذا لا يُثبته على الحقيقة إلّا أتباعُ الرُّسل، وهم أهلُ العدل والتّوحيد.

فصل

فالجهميّة والمعتزلة: تزعم أنَّ ذاتَه لا تُحَبُّ، ووجهَه لا يُرى٢، ولا يلتذُّ بالنّظر إليه، ولا تشتاق القلوب إليه، فهم في الحقيقة منكرون للإلهيّة٣.

والقدريّة: تُنكر دخول أفعال الملائكة والجنِّ والإنس وسائر الحيوان تحت قدرته ومشيئته وخلقه، فهم منكرون في الحقيقة لكمال عزَّته وملكه.

والجبريّة: تُنكر حكمته، وأن يكون له في أفعاله وأوامره غايةٌ يفعل ويأمر لأجلها، فهم منكرون في الحقيقة لحكمته وحمده.

وأتباعُ ابن سينا والنَّصير الطُّوسيِّ وفروخهما: تُنكر أن يكون له ماهيّةٌ غير الوجود المطلق، وأن يكون له وصفٌ ثبوتيٌّ زائدٌ على ماهيّة الوجود، فهم في الحقيقة منكرون لذاته وصفاته وأفعاله، لا يتحاشَون من ذلك.

والاتِّحاديّة: أدهى وأمرُّ، فإنّهم رفعوا القواعد من الأصل، وقالوا: ما ثَمَّ وجودُ خالقٍ ووجودُ مخلوقٍ، بل الخلقُ المشبَّهُ هو الحقُّ المنزَّهُ، كلُّ ذلك من عينٍ واحدةٍ، بل هو العين الواحدة.

  1. (١) ت: «بها»، والصواب ما أثبت من غيرها.
  2. (٢) ش، د: «يراد»، ولعله تحريف.
  3. (٣) ت، ر: «الإلهية».
469

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي